تحت أشعة الشمس الحارقة على ساحل العقبة، تتحرك الرافعات و تتراص الحاويات بنظام دقيق. هذا الميناء ليس مجرد منفذ للأردن على البحر؛ بل يُعاد تصوره اليوم كبوابة محورية وجسر بري رئيسي في أحد أهم ممرات التجارة الاستراتيجية في العالم. ومع تحول سلاسل التوريد العالمية وتطور الديناميكيات الإقليمية، يضع الأردن نفسه لدور طموح: وهو أن يصبح المركز اللوجستي الأساسي الذي يربط بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. هذه الرؤية للفترة ٢٠٢٦–٢٠٣٠ واضحة، لكن الطريق محفوف بإمكانيات هائلة وتحديات صعبة.
يكمن منطق هذا التوجه في الجغرافيا والجيوسياسية. حيث يقع الأردن في ملتقى الطرق بين أسواق أوروبا و الخلج الغنية، مع نفوذ يمتد نحو العراق وبلاد الشام. هنا تجد الاستقرار في منطقة مضطربة، وشبكة من الاتفاقيات التجارية، وحكومة ترى في الخدمات اللوجستية استراتيجية وطنية وليس مجرد قطاع اقتصادي."
الإمكانيات كبيرة جداً. وفي أعقاب الحرب في أوكرانيا، يسعى الاتحاد الأوروبي بنشاط لتنويع وتأمين سلاسل التوريد، متجهاً نحو الجنوب والشرق. وفي الوقت ذاته، تستثمر دول خليجية مثل السعودية والإمارات تريليونات الدولارات في مشاريع عملاقة تحت مظلة رؤاها للعام ٢٠٣٠، مما يتطلب تدفقاً مستمراً من الآلات والتقنيات والسلع الفاخرة الأوروبية. الطرق البحرية المباشرة قد تكون بطيئة، والنقل الجوي باهظ الثمن. هنا تبرز قيمة المقترح الأردني: تفريغ وتوزيع فعال من البحر إلى البر عبر ميناء العقبة، يليه شحن بري منتظم عبر الشاحنات عبر الأراضي الأردنية إلى السعودية وما بعدها.
إن الأُسس الموضوعية لهذا الطموح قيد الإنشاء بالفعل. يتم تطوير محطة حاويات العقبة. وتوفر القرية اللوجستية الأردنية في منطقة الزرقاء الحرة مستودعات معلّقة جمركياً. والأهم من ذلك، يتمتع الأردن بوضع "متقدم" مع الاتحاد الأوروبي وهو جزء من نظام قواعد المنشأ العمومي الأورومتوسطي. وهذا يعني أنه يمكن معالجة أو تجميع السلع ذات المكونات الأوروبية في الأردن ولا تزال تصدّر معفاة من الرسوم الجمركية إلى الخليج – وهي حافز قوي للمصنّعين والموزّعين.
ومع ذلك، فإن تحويل الإمكانيات إلى واقع يتطلب مواجهة مجموعة من التحديات الصعبة. الأول هو البنية التحتية. بينما الطرق السريعة الرئيسية جيدة، إلا أن وصلات "الميل الأخير" وقدرة الاستيعاب المطلوبة لممر لوجستي على مستوى القارة تحتاج استثمارات بمليارات الدولارات. وان الطريق المؤدي من العقبة إلى الحدود السعودية هو مجرد جزء واحد من المعادلة. فنحن نحتاج إلى بنية تحتية ذكية: وصلات سكك حديدية متكاملة، وأنظمة تتبع رقمية، ومستودعات ضخمة غير موجودة بعد."
العقبة الثانية هي المنافسة. الأردن ليس اللاعب الوحيد الذي يتبنى هذه الفكرة. ميناء جبل علي في الإمارات هو قوة عالمية عظمى، واستثمارات السعودية الضخمة في موانئها ومناطقها اللوجستية الخاصة تهدف إلى الاحتفاظ بحركة العبور داخل حدودها. على الأردن أن يقدّم شيئاً أسرع أو أرخص أو أكثر موثوقية لتحويل مسارات الشحن البحرية الراسخة مباشرة إلى الخليج.
أما التحدي الثالث، وربما الأكثر حسماً، فهو ما يُطلق عليه "البنية التحتية الناعمة". تبقى البيروقراطية وأوقات إتمام الإجراءات الجمركية وشفافية المعاملات الإدارية مصدر قلق للشركات الدولية. وقد تكون الرسوم الجمركية منخفضة، ولكن إذا بقيت شحنة عالقة عند الحدود لخمسة أيام بسبب الأوراق، فإن هذه التكلفة الإضافية تقضي على أي ميزة. الانسيابية هي كل شيء.
إذن، ما هي استراتيجيات التمكين للأعوام ٢٠٢٦–٢٠٣٠؟ يشير المحللون إلى ضرورة اتباع نهج متعدد الجوانب.
أولاً، الاستثمار الجاد في التحول الرقمي. يجب أن يتطور مشروع النافذة الواحدة الوطني الأردني إلى منصة متكاملة لتبادل البيانات على المستوى الإقليمي. تخيل سائق شاحنة يحمل بضاعة أوروبية، حيث تتم المصادقة على جميع التصاريح الجمركية للأردن والسعودية رقمياً قبل أن تترك الحاوية السفينة في العقبة. هذا يتطلب تعاوناً إقليمياً غير مسبوق، لكنه قد يغيّر قواعد اللعبة تماماً.
ثانياً، التخصص لمواجهة المنافسة. بدلاً من محاولة التعامل مع كل شيء، يمكن للأردن أن يصبح الرائد الإقليمي في قطاعات محددة عالية القيمة. ولو فكرنا بطريقة مغايرة عن الموجود في عمّان سوف افكر اولا في الأدوية، أو البضائع سريعة التلف، أو المكونات عالية التقنية. لهذا فإن إنشاء مراكز لوجستية متكاملة على مستوى عالمي مزودة بسلسلة تبريد فائقة، والحصول على شهادات اعتماد إقليمية لهذه البضائع الحساسة، سوف يخلق مكانة يصعب منافستها.
ثالثاً، توظيف الدبلوماسية كأداة لوجستية. إن الموقف السياسي المستقر للأردن هو أكبر أصوله. وعليه أن يوسّط بنشاط لإبرام اتفاقيات عبور ثنائية جديدة، ومواءمة المعايير مع كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، وتقديم نفسه كوسيط محايد وموثوق. هذا لا يتعلق فقط بوزراء التجارة؛ بل يتطلب دبلوماسية على أعلى مستوى.
إن رؤية الأردن كمركز لوجستي للاتحاد الأوروبي في الخليج هي أكثر من مجرد مشروع اقتصادي؛ إنها إعادة تخيل للدور الوطني. النجاح لن يجلب الإيرادات والوظائف فحسب، بل سيؤكد دور الأردن كعقدة لا غنى عنها ومستقرة في الاقتصاد العالمي. سوف تكون نافذة الأعوام ٢٠٢٦–٢٠٣٠ حاسمة. بالاستثمارات المستهدفة، والتركيز الدؤوب على الكفاءة، والحوار الدبلوماسي الذكي، يمكن للمملكة أن تحوّل قدرها الجغرافي. فقد يصبح الطريق من العقبة طريق الحرير الجديد للقرن الحادي والعشرين، والأردن مستعد ليكون حارسه السريع والآمن. ان العالم يراقب ليرى إذا كان هذا الجسر قادراً على التحمل، لكنه يستطيع.
اسيل عزيزية
No comments:
Post a Comment