Sunday, 31 May 2026

الفوتوغراف في القدس

 

الفوتوغراف في القدس..


تدوين التاريخ والمكان بالصورة


أسيل عزيزية

فنانة تشكيلية ومترجمة أردنية


---


يشابك تاريخ الحداثة العربية بكل تجلياتها مع تاريخ التصوير العربي، وبالمثل لقد ارتبط تاريخ التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي بالتحولات التكوينية في الاقتصاد السياسي، والحكم، والتكوينات الثقافية التي كانت جارية خلال القرن التاسع عشر.

كما ظهرت أشكال جديدة من الفكر والأدب، وسرعان ما تم استيعاب التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي كتعبير عن تلك الحالة الحداثيوية في جميع طبقات المجتمع.


وقد اشتمل تعبير الفوتوغراف على التصوير الوظيفي والكارتومانية الشخصية، وكذلك الاستخدام النشط للمناظر الطبيعية، والصور الفوتوغرافية التي تحتاجها الحكومات الإمبراطورية والمحلية.


ويشير مصطلح "كارثومانيا" إلى الجنون العالمي للطباعة حسب الطلب، كما صاغها المصور والمؤرخ الألماني (هيلموت غرنسشيم)، وبمعني آخر هوس الألبوم، ومن ثم طغيان التصوير الاستشراقي وهيمنة المصورين المغتربين والمحليين.


وقد خلقت التوفيقات التصويرية للقيم التقليدية مع أساليب الحياة الحديثة، والجمع بين التراكيب الراديكالية، أنواعًا جديدة من المحتوى الاجتماعي. وهكذا ارتبطت الحداثة العربية ارتباطًا وثيقًا بسمات ثقافة التحديث، كما شكلتارشيفا توثيقيا لقراءة  أن توثق لدراسة أنماط الحياة، وبالنسبة لفلسطين والقدس، فقد شكلت الصورة شهادة وابطالا  للرواية الصهيونية الاحتلالية التي قامت بسرقة التراث وتشويه المكان.


الفوتوغراف والاستشراق


وصل التصوير الفوتوغرافي في فلسطين عام 1839، وهو العام نفسه الذي قام فيه المصور (داجير) عملية التصوير إلى العالم في 11 ديسمبر 1839، بعد اربع سنوات تقريباً من اختراغ التصوير الفوتوغرافي من قبل (فرانسوا أراغو)، حيث صور الفرنسي (فيديريك جوبير فيسك) القدس لأول مرة (*)


وكانت أقدم الصور المعروفة قد التقطت لباب العامود في القدس بكاميرا (أوغوست زالزمان)، ونشرت عام 1856، وفقاً لموقع المجموعات الرقمية لمكتبة نيويورك العامة.


وقام  العشرات من المصورين العرب والأجانب على حد سواء، بتصوير المنطقة على نطاق واسع في أماكن مثل: يافا وطبريا وبيروت ودمشق، كما صورت كاميرات العديد من المصورين الأوروبيين والأمريكيين فلسطين بانتظام.


وخلال السنوات العشرين الأولى من اختراع الوسيلة الجديدة، كان المصورون الأوروبيون حريصون بشكل خلص على تسجيل الأماكن المقدسة وغيرها  من المواقع القديمة، واكدوا علاقتهم بالكتاب المقدس وكانت هناك محاولة واعية لربط المواقع المذكورة في الكتاب المقدس بمواقع جغرافية محددة، وجاءت مبيعات مناظر الأرض المقدسة في أوروبا الثانية بعد تلك الخاصة بأوروبا نفسها.


إن أي شخص يسعى إلى فهم عمل المصورين الأوروبيين الذين زاروا الأرض المقدسة، أو كانوا مقيمين فيها، أن يعترف بمدى أهمية فلسطين التي لعبت دوراً أساسياً في تطوير وسط التصوير الفوتوغرافي، وعلاوة على ذلك، فإن الإقبال على تصوير الأماكن المقدسة وخصوصاً مدينة القدس، كان مستمداً من أهميتها الدينية، بقدر ما هو مستمد من القيمة الاستراتيجية لموقع المنطقة بالنسبة للقوى الأوروبية المنخرطة في اقتسام أراضي الإمبراطورية العثمانية.


ومن المهم أن يؤخذ بالاعتبار أن غالبية المنشورات التي تتناول التصوير الفوتوغرافي في فلسطين، عموماً والقدس تحديداً، كتبها مؤلفون اجانب وإن بعض تلك المنشورات تم انتاجها بسوء نية مقصودة ومعظم المعلومات المتاحة عن التصوير الفوتوغرافي خلال هذه الفترة مستمدة من مصادر أوروبية، وبالتحديد من الالبومات المصورة ومذكرات السفر التي نشرت في القرن التاسع عشر.


ويمكن للمرء أن يفهم بسهولة، سبب احتلال المصورين الأوروبيين لمثل هذا المنصب البارز على حساب المصورين المحليين، على الرغم من ميزة الاخرين في تجنب منظور "المستشرقين" في عملهم وأهدافهم ونواياهم وارتباطاتهم، وربما يعود هذا النقص الكبير

في الفهم لعمل المصورين العرب على الرغم من إنتاجهم الهائل، وقد دمرت الحروب وموجات العنف والأحداث والهجرات القسرية العديدة من هذه الأرشيفات.


فمن يخبرنا عن عمل ودور المصور داود صابونجي وعيسى الصوابيني في يافا! ومن يخبرنا ايضا عن

عشرات المصورين المجهولين الذين تظهر توقيعاتهم من حين للآخر على بعض الصور!



أول استوديو في فلسطين 


لقد بدأ التصوير الفوتوغرافي كحرفة جديدة للسكان في فلسطين منذ ستينات القرن التاسع عشر عندما أنشا البطريرك الأرمني، اساي جارابيديات ورشة تصوير في القدس لتدريب الشباب الأرمن وعمل على تطوير وتوسيع التعبير الفوتوغرافي في فلسطين


ففي أواخر الخمسينات من القرن التاسع عشر، بدأ اساي بإعطاء دورات في التصوير الفوتوغرافي داخل مجمع كنيسة القديس جيمس  في البلدة القديمة في القدس، حيث التحق العديد من الطلاب لممارسة هذه المهنة، واستغرق الأمر بعض الوقت حتى تم  افتتاح أول  أستوديو في فلسطين، بالقدس عام 1885 أسسه جرابيد كريكوريان أحد طلاب جارابيديان وتبعه خليل رعد عام 1890 كأول مصور فلسطيني عربي فافتتح استوديو للتصوير في القدس وبعد عامين افتتح داود صابونجي استوديو في يافا


في عام 1898، وفي القدس، بدا ايليا مايرز تأسيس قسم التصوير الفوتوغرافي في أميركان كولوني، و قام بتدريب لورز "لويس" لارسون واريك ماتسون والفلسطيني فريد نصيف، حيث تولى لارسون في النهاية إدارة قسم التصوير الفوتوغرافي، وساعده فلسطينيون محليون مثل ناصيف وجميل ونجيب البينا، لارسون، مانسون والأخوان البينا مسؤولون عن شهرة صور المستعمرة الأمريكية، بما في ذلك صور الأحداث الجارية خلال الحرب العالمية الأولى، وزوال الإمبراطورية العثمانية وإنشاء الانتداب البريطاني، و استعمار فلسطين من قبل الأوروبيين.


لقد كرس العديد من المصورين العرب أنفسهم لتغطية الأحداث السياسية، والحياة اليومية، وبعض الحفريات الاثرية الكبرى التي كانت تجري في فلسطين، حيث وثق المصور خليل رعد المجريات السياسية والحياتية اليومية لما يقرب من خمسين عاما وعلى الرغم من الاستيلاء على طريق يافا بالقدس عام 1948، من قبل الصهاينة، بقيت الكثير من أعماله بفضل صديقه الإيطالي الذي عبر المنطقة عدة مرات ليلا لإنقاذ الأرشيف بأكمله من استوديو رعد


التصوير العربي


ويذكر (روبرت موشبك) أن الإيطالي الذي اضطر الى تسلق اسوار المدينة القديمة  في مهمات الإنقاذ عمل في مكتبة بوليس سعيد التي كانت بجوار استوديو رعد على طريق يافا، ويعود له الفضل الكبيربالحفاظ على أعمال خليل رعد.


لا يمكن التقليل من مساهمة الأرمن في تطوير "التصوير العربي" بصرف النظر عن تدفق الأرمن إلى المدن العربية 1894 - 1896، والتدفق الهائل للاجئين بعد عامي 1915 - 1916، حيث كانت المجتمعات الأرمنية الصغيرة موجودة في سورية الكبرى ومصر لعدة قرون، وتم افتتاح العديد من الاستوديوهات في القدس، والتي خدمت في حينها الطبقة الوسطى الفلسطينية الناشئة حديثا كما قامت المستعمرة الامريكية (**)، وميزون بونفيس (***)، بخدمة سياح الاراضي المقدسة من خلال التصوير.


بدأ فسم خدمات التصوير الفوتوغرافي في "الأمريكان كولوني" المستعمرة عام 1898. إذ قام مصورو القسم المذكور بتوثيق  زيارة قيصر المانيا فيلهلم الثاني وملك بروسيا إلى القدس في تشرين الأول/أكتوبر 1898. وقد حظيت هذه الصور باهتمام الجمهور، ولقيت طلبا كثيرا عليها، الأمر الذي سمح للأمريكان كولوني بتوسيع أعمالها جراء الاهتمام الواسع بصور الزيارة الملكية لقيصر ألمانيا.


خلال ثلاثة عقود ونصف (1898 – 1933)، كانت دائرة التصوير في الأمريكان كولوني المؤسسة الأولى والابرز في الشرق الأوسط، التي تمكنت من توثيق الأحداث الكبرى، والحروب والاحتفالات والحياة اليومية في هذا الاقليم الصاخب بالتطورات.


لقد تناول مصورو الأمريكان كولوني موضوعات شديدة التنوع، بدءًا من المواقع الأثرية والساحات والرحلات، إلى المشاهد الحضرية والمظاهر الطبيعية في مختلف بلدان الشرق الأوسط، إذ تنقل مصوروها بناء على طلبات  مسبقة ما بين مناطق كالاردن سوريا، لبنان، العراق، مصر، السودان، ودول أخرى في أفريقيا.

لقد وثقت دائرة التصوير الفوتوغرافي في الأمريكان كولوني استعدادات الحكومة العثمانية في فلسطين للحرب  ثم وقائع الحرب العالمية الأولى في فلسطين وسيناء. ودخول الجنرال اللنبي وقوات الحلفاء إلى المدن الفلسطينية، واحتفالات الجيش البريطاني باحتلال القدس، واستسلام الحاميات العثمانية.

كما وثقت أعمال الادارة في عهد الانتداب في فلسطين. وكذلك المستوطنات الصهيونية المبكرة فيها، وحظيت القدس بالحصة الأكبر من الصور التي خلفتها الأمريكان كولوني وراءها كما تبين ذلك المجموعات المحفوظة باسم (إريك) و(إديث ماتسون) لدى مكتبة الكونغرس الأمريكي.


لقد شكلت دائرة التصوير في المستعمرة خلال نشاطها في القدس، أهم مصادر التصوير الفوتوغرافي عن فلسطين، والعالم العربي، والشرق الأوسط عموماً.


تدوين الأحداث بصرياً


إن ارتباط فلسطين بأوائل الصور التي التقطت بالعالم يعطيها قيمتها الجمالية، وأهميتها التاريخية، كما كان الفوتوغراف في فلسطين متنوعاً، منه: البورتريه، حيث حفظت ملامح الكثير من الفلسطينيين المناضلين ضد الاستعمار الصهيوني والانتداب البريطاني، وهناك صور للزعيم الوطني عز الدين القسام، وسعيد العاص، وأغلب الرجال الذين قاتلوا من أجل وطنهم، وصور أخرى توثق الأزياء لتلك المنطقة، والفلكور الفلسطيني، كما كانت في بعض الأحيان "الموضة" تظهر في أعمال بعض المصورين الذين نجحوا في أوروبا.


وصور أخرى أظهرت حساسية كبيرة في تصور الحياة اليومية للفلاحين، ومناظر مختلفة للمدن والقرى. وللمزارعين الذين يعملون في حقولهم وبساتينهم فهذه الصور جميعها تبدد الخرافات التي أطلقها المستعمرون في فلسطين مبان الأرض كانت خالية من السكان سوى عدد قليل من المتوحشين.


من جانب آخر، لا ينبغي إغفال أن معظم التصوير الفوتوغرافي الأوروبي استدعي هذه الخزانات وكانت بمثابة نوع من الانفتاح الشعري على العزلة الذي كان سيحدث بعد ذلك، وشارك التبشيريون بشكل خاص في هذه الخرافات، وكان بمثابة نوع من الانفتاح البصري على الغزو الذي كان سيتبع ذلك وشارك الفرنسيون بشكل خاص في نشر هذه الخرافات وكرست مبالغ كبيرة لبعثات التصوير الفوتوغرافي العلمية الزائفة، والتي كانت تماماً بمثابة محتلين بصفة باحثين "بانتظار وصول قواتهم".


وفي عام 1865، تأسس صندوق استكشاف فلسطين في بريطانيا، وأرسلت العديد من البعثات إلى فلسطين في مهمة لالتقاط آلاف الصور ورسم الخرائط، وكان الهدف المفترض لهذه البعثات أثرياً، ولكن بفضل بحثها الشامل ودقة تفاصيلها، تمكن الجنرال اللنبي من توجيه حملاته ودخول القدس في عام 1918.


تدمير الذاكرة البصرية 

ان الرؤية التي قدمها المصورون الاوروبيون والامريكيون لم تعط اية اهمية على الاطلاق للفلسطينيين بعكس الصور والرؤيا التي قدمها المصورون العرب  فان الظهور للسكان المحليين حول الأماكن المقدسة عند الغرب كتم ينظر اليه على انه تدنيس واهانة لامجاد الماضي وبدت كلمات فرانسيس فريث وكأنها دعوة حاشدة الحاضر والماضي البربريان يضعان عبثا من المسؤولية على الغرب لإنقاذ الأرض المقدسة من متوحشيها 

ولهذا فقد كان المصورون العرب هم أفضل من أرشيف ودون الصورة الحقيقية لفلسطين وواقع سكانها قبل وخلال الاستعمار الصهيوني والانتداب البريطاني من ادنى تفاصيل الحياة اليومية الى الاحداث السياسية الرئيسية ولكن للاسف تكثر الارشيفات خاصتهم تم تدميرها

بثد بقيت الصورة الفوتوغرافية شاهدة على عروبة فلسطين والقدس من خلال الصور التي تناولت المكان والإنسان رغم كل وسائل التشويه والتزوير للتاريخ والجغرافيا التي عمد إليها المحتل الصهيوني 


رابط المقال

https://culture.gov.jo/AR/List/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9_%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86

https://culture.gov.jo/ebv4.0/root_storage/ar/eb_list_page/funon49.pdf

العدد 49 صفحة 70


الهوية العربية ..تحولات الثقافة والمواجهات الكامنة في تجاربها ... حليم بركات

  

الهوية العربية ..تحولات الثقافة والمواجهات الكامنة في تجاربها

 

حليم بركات(*)

ترجمة: أسيل عزيزية

 

نُشرت المقالة التي تحمل جوانب من الهوية العربية في كتاب "العالم العربي: المجتمع، الثقافة والدولة"، لحليم بركات حول الهوية القومية العربية. (**)

وفي حقبة ما بعد "الربيع العربي" الذي مزقته الصراعات، فإن أفكاره التي توصل إليها، تتمتع ببصيرة ثاقبة بشكل خاص اليوم حول كيف يمكن التفاوض بشأن نقاط الهوية  المتعددة التي يثيرها، والتي تتصل بالأسرة والقبيلة والدولة والدين واللغة والتأثير الخارجي - في العلاقات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والسياسية بين الشعوب والدول.

فالهوية تشير إلى مشاركة العناصر الأساسية التي تحدد طبيعة الناس وتوجهاتهم وتؤكد احتياجاتهم ومصالحهم وأهدافهم المشتركة. 

هذه النظرة للهوية، وإن لم تكن خاطئة، فهي لا تشمل الجوانب غير المتجانسة أو التعددية، وقد يبدو تصور هوية عربية تجمع بين الوحدة والتعدد أمرًا متناقضًا بحد ذاته،ومع ذلك، فإنه ومن خلال دراسة جوانب الهوية المتشابهة والمتباينة يمكن للمرء أن يتصور بشكل صحيح الطبيعة الحقيقية للهوية العربية. 

فالهوية العربية تعتمد على ثقافة مشتركة وكذلك على اختلافاتها، كما تعتمد على مكان مشترك في التاريخ وتجربة مشتركة، وأيضًا على الصراعات والمواجهات الكامنة في هذه التجارب. وتشمل هذه الهويات المحددة الانتماءات اللغوية والدينية والإقليمية والقبلية والإثنية.

 

قلب وروح واحدة

تم اعتبار الهوية الوطنية العربية قائمة في المقام الأول على اللغة منذ نشأتها الاولى بالنسبة للعديد من العرب، حيث تتجاوز اللغة العرق أو الدين أو القبيلة أو المنطقة. لذلك، يمكن اعتبار اللغة العربية العامل الموحد بين جميع العرب تقريبًا. 

وبما أن اللغة العربية تتجاوز حدود الدول، فإنها تساعد على خلق شعور بالقومية العربية. وفقًا للباحث العراقي ساطع الحصري، "يجب أن يكون للأمة التي تتحدث لغة واحدة قلب واحد وروح واحدة، وبالتالي يجب أن تشكل أمة واحدة ومن ثم دولة واحدة". 

ومع هذا، فهناك وجهان لعملة الهوية، فبينما يمكن أن تكون اللغة العربية الموحدة عاملًا جامعًا، إلا أن اللغة ليست موحدة على الإطلاق في كثير من الأحيان، فقد تختلف اللهجات من منطقة إلى أخرى، وهناك اختلافات كبيرة بين النسختين المكتوبة والمحكية، والعديد من الدول تستضيف مواطنين ثنائيي اللغة، وهناك كثير من العرب أميون، فلا بد أن يقودنا  هذا إلى فحص الجوانب الأخرى المحددة للهوية العربية.

 

الهوية العربية والإسلامية

غالبا ما ينظر الى الهوية العربية والهوية الاسلامية على أنهما معًا، ولا تنفصلان نظرًا لأن غالبية العرب مسلمون،ولقد كان هناك تياران متباينان داخل العروبة - أحدهما ديني والآخر علماني - عبر التاريخ العربي.  ولكن وبعد انهيار الخلافة الإسلامية العثمانية في القرن العشرين، برزت القومية العربية على حساب الوحدة الدينية. واستمر هذان التياران في التنافس ضد بعضهما بعضًا حتى يومنا هذا. واليوم يقدم الأصولية الدينية بديلاً للقومية العلمانية. 

كما توجد أيضًا طوائف دينية مختلفة داخل الإسلام وغالبًا ما يتم تقديسها فوق الدين ككل، مما يؤدي إلى النزاع والصراع الطائفي، لكن في الواقع، قد تكون المسافات الاجتماعية والنفسية بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة أكبر من المسافة التي يُنظر إليها بين الأديان المختلفة، وبسبب هذا، يمكن اعتبار الإسلام قوة موحدة ومفرقة في الوقت نفسه في الهوية العربية.

 

المحلية والإقليمية

من خلال عدسة الهوية المحلية أو الإقليمية ومنظورها فيمكن إدراك الهوية العربية، فقد كانت هناك ثلاث توجهات قومية كبرى في العالم العربي عبر التاريخ . وهي: القومية العربية الجامعة التي ترفض الدول ذات السيادة القائمة باعتبارها إبداعات مصطنعة وتدعو إلى الوحدة العربية الكاملة. 

ويعترف التوجه القومي الإقليمي على اختلافات واضحة في الهوية بين دول المغرب العربي (دول شمال إفريقيا العربية) وبلاد الشام (الدول العربية في شرق البحر المتوسط العربية) ودول الخليج. 

ويتصرف كل منهم وفقًا لمصالحه الإقليمية الخاصة ويرى نفسه باعتباره أقرب إلى جيرانه المباشرين منه إلى العرب في المناطق الأخرى. 

ويصر التوجه القومي المحلي، على الحفاظ على استقلال وسيادة الدول القائمة، ولكن ما يزال التوفيق بين هذه الأشكال المختلفة من القومية العربية يقف عقبة أمام ترسيخ مفهوم موثوق للهوية العربية.

 

ولا يستبعد في هذا السياق، الصراعات بين القبلية والقومية، حيث تشكل الأسرة الوحدة الأساسية للتنظيم الاجتماعي في المجتمع العربي التقليدي، ولا تزال تتمتع بنفوذ قوي على تشكيل الهوية، وفي بعض الدول يتم التأكيد على الولاءات القبلية في دول الخليج والسودان والمغرب العربي.

وفي السعودية تم تجميع فسيفساء من القبائل في دولة قومية، وعلى الرغم من أن الحكومة الحاكمة منقسمة إلى بيروقراطية الدولة والعائلة المالكة، فإن غالبية ولاء المواطنين يقع على عاتق الأخيرة وليس الأولى. وفي حين تشكل النزعة القبلية قوة موحدة في المملكة العربية السعودية، فإن الولاءات السياسية في اليمن عززت الانقسامات الطائفية والقبلية، سواء أكان الأمر يتعلق بتعزيز السلطة في أيدي عائلة أو قبيلة، أو تفتيت الأحزاب السياسية داخل بلد ما، فإن الولاءات القبلية تلعب أدواراً مهمة في جميع أنحاء العالم العربي.

 

العرق والهوية

يمكن القول: إن العرق هو عامل حاسم آخر في الهوية العربية. ويمكن تعريفه من الناحية الثقافية واللغوية وكذلك من حيث النسب من أسلاف مشتركين بعيدين.

ويوجد في العالم العربي الأكراد والبربر والشركس والآشوريون والكلدانيون واليهود والأرمن والمجتمعات الأفريقية في جنوب السودان.

ويرتبط البربر في المغرب ببعضهم البعض من خلال لغة مشتركة ولهجات مختلفة، وكذلك من خلال مزاعم الأصول البدوية والقبلية، وفي المغرب يشكلون 40% من السكان. 

وقد حاول الاستعمار الأوروبي ان يعمق الخلافات بين البربر والعرب لإبقاء الانقسام، مما سهل عملية إقامة الحكم الاستعماري الأكثر استبدادية، ويعرّف الأكراد أنفسهم أيضًا من الناحية اللغوية والثقافية، وعلى أساس تميزهم العرقي، فإنهم في كثير من الأحيان يقاتلون من أجل الحكم الذاتي لكردستان المستقلة التي يرسمونها بأنها تشمل أجزاء من تركيا والعراق وإيران، وبهذه الطريقة، فقد هددت الاختلافات العرقية المفروضة والمتصورة البناء الشامل للهوية العربية.

وعد بلفور وسايكس بيكو

إن الهوية العربية لا توجد في فراغ، بل تخضع لقوى خارجية مثل الصراعات الخارجية الأجنبية والنفوذ الغربي والظروف الاقتصادية، وان الفوارق بين العرب الأغنياء والفقراء تساهم في التفتت الاجتماعي والسياسي، ويتجلى مثل ذلك التفتت بين شعب الدولة العربية نفسها او بين شعوب الدول العربية الغنية والفقيرة؛ أي الدول المنتجة وغير المنتجة للنفط. ويمكن أن تؤدي الصراعات الخارجية أيضًا إلى مزيد من التفتيت بين الدول العربية. 

إن إنشاء دول مصطنعة في العالم العربي، نتيجة لوعد بلفور ومعاهدة سايكس بيكو، يجعل من الصعب على الدول العربية ان تتحد في مواجهة الصراع الخارجي.

إن تكاثر الفصائل المختلفة داخل بلد ما، مثل الانقسامات السنية والشيعية، غالبا ما تدعم أطرافًا مختلفة في صراع مجاور أو دولي، مما يجعل التوصل إلى تسوية أمرًا في غاية الصعوبة. 

ويمكن القول إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يشكلأيضاً قوة توحيدية ومفرقة في الوقت نفسه. ويؤيد جميع العرب تقريباً، إن لم يكن جميعهم، حق الفلسطينيين في دولتهم الخاصة، ومع ذلك، فإن الفصائل المختلفة داخل العالم العربي تفضل المفاوضات وحل الدولتين، أو الكفاح المسلح والهجمات ضد الإسرائيليين، ويتداخل هذا الانقسام أيضًا مع الأنظمة باختلاف أنماط حكمها، والحركات الشعبوية والقوى الرجعية والتقدمية والمعسكرات المعتدلة والرفضية.

 

خلاصة القول: 

نادرًا ما تتميز الثقافة بالتوحيد الكامل، بل على العكس من ذلك، فإن ديناميكيتها تعكس التنوع والتعددية والتناقضات. 

ولم تكن هناك حاجة لتأكيد هذه الحقيقة لولا تحريف الواقع من قبل المستشرقين الغربيين والعلماء العرب التقليديين، ويميل المستشرقون الغربيون إلى التأكيد على الطبيعة "الثابتة" للثقافة العربية وليس "المتغيرة"،وبالمثل، يميل العلماء العرب التقليديون إلى التأكيد على القيم التقليدية بدلاً من التركيز على الثقافة العربية المعاصرة المتطورة.

إن تميز الهوية الثقافية العربية يجب أن يأخذ في الاعتبار واقعًا إنسانيًا معقدًا للغاية يشمل اللغة والدين والانتماء الإقليمي والولاءات القبلية والعرق والقوى الخارجية. وكل هذه العوامل تتغير وتتطور باستمرار، مما يوحد العرب ويقسمهم عند مفترق طرق مختلف. 

وإن دراسة كافة الفروق الدقيقة في الثقافة والمجتمع العربي هي وحدها التي تسمح لنا بتكوين صورة للهوية العربية في العالم الحديث.

 

 

(*) حليم بركات، روائي وعالم اجتماع عربي، قام بالتدريس في مجموعة متنوعة من المؤسسات بما في ذلك جامعة تكساس في أوستن، وجامعة جورج تاون، وجامعة هارفارد. وهو من أصل أرثوذكسي يوناني، ولد في سوريا، ونشأ في بيروت حيث تلقى تعليمه. 

تركّز مؤلفاته على الصعوبات والتحديات التي تواجه المجتمعات العربية الحديثة، مثل: الاغتراب، وأزمات المجتمع المدني، والحاجة إلى الهوية والحرية والعدالة.وأعماله غنية بالرمزية وتأثيرات الأحداث المعاصرة.

 

 

 

 

 

 

(**) الموقع  الإلكتروني:

https://teachmideast.org/facets-of-arab-identity-halim-barakat/

 

TeachMideast is an educational outreach initiative developed by the Middle East Policy Council. TeachMideast is a resource designed to give high educators the foundation they need to teach about critical, complex and intriguing subjects.

The Middle East Policy Council is a Washington, D.C. based, 501(c)(3) nonprofit organization founded in 1981 whose mission is to contribute to American understanding of the political, economic and cultural issues that affect U.S. interests in the Middle East.

TeachMideast

هي مبادرة توعية تعليمية طورها مجلس سياسات الشرق الأوسط وهو مورد مصمم لمنح المعلمين الأساس الذي يحتاجونه للتدريس حول مواضيع بالغة الأهمية ومعقدة ومثيرة للاهتمام، ومجلس سياسة الشرق الأوسط هو منظمة غير ربحية مقرها واشنطن العاصمة  تأسست عام 1981 وتتمثل مهمتها في المساهمة في الفهم الأمريكي للقضايا السياسية والاقتصاد

كيف نعيد الاعتبار للفن الحقيقي ؟؟

  

تأملات في أزمة القيمة الفنية في زمن النجومية السهلة

منذ بدايات الوعي البشري، كان الفن أحد الأنشطة الإنسانية الأكثر صعوبة على القياس بسبب ارتباط الوسيلة بمشاعر الأفراد وخبراتهم ومعارفهم، ومع أن الناس قد يتفقون ويجمعون على جمال مشهد طبيعي أو قصيدة، إلا أنهم نادرًا ما يتفقون على لوحة أو منحوتة أو عمل تجريدي.

إن الطبيعة اللامحدودة للفن جعلت النقاش حول قيمته مفتوحة بلا نهاية، وجعلت كل جيل يعيد طرح السؤال ذاته وكأن الأمر يُطرح لأول مرة.

والسؤال الذي يبرز هنا، هل تُقاس الأعمال الفنية من خلال جودتها وفرادتها وطاقتها الروحية؟

أم أن الأمر يرتبط بأسماء الفنانين، وتاريخهم، ومدى نفوذهم، وجندرهم أحيانًا؟

هذه الإشكالية تبرز اليوم أكثر من أي وقت مضى، فلم يعد العالم الفني قائمًا على الإبداع وحده، بل أدخلت عليه عناصر معقدة لمجالات أخرى تتصل بالتسويق، والموضة، والسرديات الإعلامية، ليتحوّل الفن إلى سلعة، والفنان إلى علامة تجارية.

وفي ظل هذه التحولات، يظهر السؤال المهم: لماذا تُباع أعمال متواضعة الجودة بأسعار فلكية لمجرد أنها تحمل توقيع فنان شهير؟

ولماذا تُهمل أعمال عميقة وجديدة لفنانين لا يملكون تاريخًا طويلًا أو شهرة مسبقة؟ بل لماذا يواصل الجمهور والمؤسسات الاحتفاء ببعض الفنانين، رغم أن أعمالهم الراهنة لم تعد تعكس جودة عطائهم السابق؟

• الاسم والعمل الفني

في هذا السياق علينا أن ندرك أن الأسماء الكبرى لم تُخلق بين ليلة وضحاها، وأن كثيرًا منهم ذاقوا مرارة الرفض والجوع، ولكن المفارقة أن هؤلاء، وبمجرد أن تتجذر أسماؤهم في الذاكرة الثقافية، تبدأ رحلة مختلفة؛ لم يعودوا بحاجة لتقديم أي إثبات، ويصبح السوق متعطشاً لأعمالهم، وتتهافت المتاحف على اقتناء إنتاجهم، ويتعامل النقاد بحذر شديد معهم خوفاً من ارتكاب خطأ تاريخي.

هنا تبرز مشكلة قيمة الاسم/ التوقيع مقابل قيمة العمل.

تزيد المشكلة تعقيداً، عندما يتعلق الأمر بفنانة أو فنان حين تقدم/ يقدم تجربة مبتكرة في بداياته وتحظى بالاستحسان، ثم يستنزفها مع الزمن دون تطوير، حيث تتحول التجربة إلى قيد، والأسلوب إلى قالب جامد، فتفقد الأعمال روحها الأولى ليصبح مجرد استنساخ باهت. وهناك العديد من أصحاب الأسماء اللامعة الذين استغلوا نجاح تجربة وحيدة، فأعادوا إنتاجها مئات المرات، ليتحول الفنان إلى عبد لتجربته، وتمنحه المؤسسات شرعية الاستمرار دون مراجعة جدوى التجربة وأهميتها.

• أسلوب الفنان وهويته

يقال أحيانًا إن التكرار يمثل جزءًا من أسلوب الفنان، أو بصمته الخاصة، وجزءا من جماليات البلاغة، وهذا قد يكون صحيحًا بعض الشيء، لان بعض التجارب تقوم على بناء عالم بصري يكرر ذاته في التفاصيل ليؤسس هوية واضحة، غير أن هناك فرق بين التكرار كخيار فني واعٍ والتكرار لفكرة الاستسهال، وهنا تفقد اللوحة دهشتها.

ثمة الكثير من القضايا الفنية التي لا تقل تعقيدًا عما سبق، فمع تقدم العمر ببعض الفنانين، تتراجع قدراتهم الإبداعية والتقنية، ومع ذلك، تستمر المجاملات الباهتة تحيط بأعمالهم الأقل جودة، وتظل المؤسسات تتعامل مع إنتاجهم وكأنهم ما يزالون في ذروة عطائهم. وهذا ليس احتراماً للتاريخ، بل مجاملة تجعل الفنان نفسه أسيراً لتوقعات غير واقعية، ومع أننا من قبيل التقاليد الراقية نُجلّ التجربة الطويلة ونحترم رموز الفن، إلا أن احترام التاريخ لا يعني تجاهل الحاضر، وتحولات الفن شكلا ومضمونا وتقنية، فالتاريخ ينحاز لمن يملك لغة العصر ويعبر عن روحه.

• التميز الجندري

في المشهد الفني لا يمكن تجاهل دور التميز الجندري، ولطالما عانت الفنانات من التمييز في المجتمعات بعدة مجالات، سواء في فرص التعليم أو العمل وغيرها، وبالنسبة للفنانات فإن المعاناة تكون أحيانًا في العرض أو التسويق. ومع ذلك، فإن بعضهن وبعد أن يصبح اسمهن لامعًا، يدخلن اللعبة ذاتها، فيكرر الجمهور والمؤسسات تجاههن الخطأ نفسه.

ورغم تقديمهن أعمالًا متواضعة، إلا أن هذه الأعمال تحظى باحتفاء مبالغ فيه، فالموقف يرتبط بالاسم، أو لأنها تمثل سردية داعمة لقضية معينة تهم المؤسسة أكثر مما يهمها المستوى الفني أو جودة العمل.

ليست المشكلة في دعم المرأة، بل في تحويل الدعم إلى نوع من المبالغة التي تخلق صورة زائفة عن الجودة للعمل الفني، وهذا لا ينصف الفنانات الشابات اللواتي يحملن تجارب أصلية، ولا ينصف الفنانات المخضرمات اللواتي يستحققن نقدًا بعيدًا عن المجاملات، التي نشاهدها على منصات التواصل الاجتماعي.

هناك بعض القضايا العرضية التي تتصل بخشية المتاحف أو الجاليريهات أن تُخطئ في اختياراتها، أو خوف النقاد من مخالفة الرأي العام، أو فقدان الصحف أو الأقسام الثقافية فيها العلاقة مع الفنانين الكبار، أو تردد المقتني في المخاطرة أو المغامرة، أو عدم مقدرة الجمهور على تمييز جمال الأعمال أو جودتها أو أنه «يضيع» بين اسم الفنان وعمله، وهذا الخوف الجماعي يصنع ما يشبه فقاعة الاعتراف الفني، حيث يصبح الاسم أكبر من اللوحة، والتاريخ أثقل من الحاضر، وتكون جودة العمل آخر الاهتمامات.

• النقد ومعايير العمل الفني

كيف يمكن الخروج من هذه الدائرة؟ ربما يبدأ التغيير بالنقد الفني التشكيلي الحقيقي، الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع، ولا يخشى قول الحقيقة، ولا يخشى فقدان العلاقات مع المؤسسات أو أصحاب المناصب أو الفنانين أنفسهم.

النقد الصادق هو أول من يشير إلى التكرار الممل، ويكشف عن تراجع المستوى دون خوف من الأسماء الكبيرة.

والنقد الحقيقي، هو الذي يرى أن دعم الجيل الجديد يجب ألا يكون احتفاليًا أو شكليًا، بل دعمًا مبنيًا على إيمان حقيقي بأن الإبداع لا يقتصر على من لديهم تاريخ، بل يشمل أيضًا من يملكون الجرأة على البدء من الصفر. وأن عالم الفن إلى يحتاج إلى تربية ذائقة لا تبحث عن توقيع فنان كبير، بل عن لوحة تتحدث إليه بصمتها الخاص، ذائقة لا تخجل من الاعتراف بأن فنانًا ما لم يعد ينتج أعمالًا جيدة، أو أن فنانًا آخر قد يكون مجهولا حتى اللحظة قدّم عملًا يستحق أن يُلتفت إليه.

• إعادة التوازن لقيمة الفن

دور النقد هو التوعية الجمالية للمتلقي، بوصفها جزءًا أساسيًا من إعادة التوازن لقيمة الفن ورسالة العمل الفني، فالفن الحقيقي لا يحتاج إلى تاريخ طويل كي يكون عظيمًا، بل يحتاج إلى صدق وابتكار.

على الفنان أن يتساءل دائمًا: هل أكرر نفسي أم أكرر العالم عبر نفسي؟ وهل التجربة التي أقدمها اليوم امتداد روحي وجمالي لتجربتي السابقة، أم أنها مجرد نسخة جديدة لشيء أحبّه السوق؟ الاعتراف بالتكرار ليس ضعفًا، بل بداية التحرر منه.

كما أن إدراك حدود التجربة الفنية يحمل في داخله إمكانية خلق تجربة جديدة أكثر صدقًا وأقل تكلّفًا.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقًا: كيف نميّز بين العمل الذي يستمد قيمته من ذاته، وبين العمل الذي يستمد قيمته من التاريخ أو الاسم أو النفوذ؟

والفن الذي يستحق البقاء هو الفن الذي يتجاوز صاحبه. وإذا أردنا استعادة هذا الصدق، يجب أن نعيد الاعتبار للجودة، وأن نُصغي للعمل قبل أن ننظر إلى توقيعه.

 

رابط المقال في جريدة الراي 

https://alrai.com/article/10949838/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%86%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%84%D9%84%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%8A

سكتشات ابيض واسود خلال الحجر المنزلي

 سكتشات ابيض واسود خلال الحجر المنزلي

 
أسيل عزيزية
30-05-2020 
 

اوراق وخطوط وكتل داكنة العتمة، وأخرى تشع نورا، خطوط باللون الابيض والاسود، وشخصيات انفرادية ومشاهد تعبيرية، يخطها فنانون تشكيليون في اسكتشات متفردة من نوعها توصِف حالات عديدة كالفرح او الحزن او اوقات فراغ او أوهام مرعبة او امال مفرطة وتصوير للعزلة، يشاركونها بمنصات التواصل الاجتماعي وعلى مجموعة الفيسبوك (اسكتشات ابيض واسود خلال الحجر المنزلي ).

شهد اندلاع Covid-19 تغيرات شاملة في جميع أنحاء العالم ، وكان اثر فرض إجراءات تقييد حركة المواطنين وإلزامهم بالبقاء في منازلهم للحد من انتشار الفيروس، مؤثر هام على الجميع، ورغم غرابة هذه الأوقات، لا يتوقع أن تتوقف الحياة أو تنطفئ أنوار الشوارع، فكان الفنانين سريعين التكيف مع هذا الوضع، في محاولات لإيجاد طرق مختلفة للتعبير عن الفترة الحالية، ونشر التوعية بين الناس لاشغال الوقت بما هو مهم، وبعد شهر تقريبا من الحجر المنزلي في الاردن ثارت تلك الفكرة لدى الفنانة هيلدا الحياري بعد إنجازها للعديد من سكتشات الأبيض والأسود، في كيفية توثيق هذه المرحلة الصعبة بخطوط بسيطة، وكانت مُبادِرة في إنشاء مجموعة خاصة على الفيسبوك للسكتشات التي توثق مرحلة الكورونا، وتصف حال الفنانين والعالم في هذه المرحلة.

أسست هيلدا مجموعة اسكتشات اسود وابيض في فترة الحجر المنزلي، وطرحت عن طريقها ثقافة جديدة باتت تُعرف بإسم ثقافة الحجر الصحي. وكان من دواعي سروري انها طلبت مني ومن الفنان العراقي ستار نعمة مساعدتها في إدارة هذه المجموعة.

انضم للمجموعة فنانين من جميع أنحاء العالم لهم عادات وثقافات مختلفة، لكن الكورونا وحدّتنا وأصبحت عاداتنا واحدة، وشارك الفنانون بسكتشات عبروا فيها عن الوضع الراهن للعالم وتركوا وراءهم تعليقات نابضة بالحياة ومثيرة للتفكير وطرح بعض التساؤلات، وكان بعضها سكتشات مليئة بالأمل والفرح، وبعضها عن المأساة التي حلت بالعالم وأخرى كانت مسلية وفيها انتقادات لبعض الأحداث التي حدثت بالأزمة، إن هؤلاء الفنانين هم مجموعة تأملية مع آراء مستنيرة حول القضايا الاجتماعية لمن حولهم، فكانت فكرة المجموعة ذكية جدا من هيلدا لتوحيد جهود الفنانين لتوثيق هذه المرحلة المهمة والتي ستترك اثر باقي للاجيال القادمة.

وكان لهذه المبادرة أثر كبير في مساعدتنا بالتعبير عن غضبنا الجماعي وخوفنا وإحباطاتنا، وتشتيت الانتباه عن الظروف العصيبة التي نمر بها، وبالتالي تقليل تلك المشاعر قليلاً، كما استطعنا ان نعبر عن أملنا بتغير الحال للافضل، وقد ساهمت في زيادة الوحدة بيننا كفنانين من بلدان مختلفة.

هيلدا الحياري تؤمن ان السكتش الذي يخرج بحالة من اللا وعي لدى الفنان، هو شيئا مثيرا للجدل بطريقة إبداعية ، فيتم مناقشته ومشاركته من خلال الصور على صفحات مجموعة الفيسبوك، وهذا يساعد على قبول الفن والآراء على نطاق أوسع، حيث يجد الفنان ان هذه المجموعة على الإنترنت يمكن استخدامها كمساحات للتعبير والتعليق على الوضع الراهن لكن بأسلوب فني.

ولم يقتصر العمل على النشر عبر مجموعة الفيسبوك فقط لأن فكرة لقاء فنانيين مع محبي الفن وطالبي الفنون بهدف لقاء توعوي وانساني وتوثيق هذه الأوضاع الصعبة، عمل مناسب للتأسيس لخطوة قادمة تبعاً لحجم المشاركات والتفاعل الكبير، حيث تم تأسيس صفحة انستغرام خاصة بالمجموعة، وسيتم جمع هذه السكتشات في كتاب خاص وقد يكون هناك معرض لهذه الإنجازات، وحينما نعود للحياة الطبيعية سنقدم ما تشاركنا على إنجازه في معرض مشترك يوثق الحالة التي كنا بها علّنا نوثق سكتشات شاهدة على حالة النجاة التي ستتحقق بعد هذا الوباء، وكيف سنتغلب عليه بإذن الله.

وبرأيي الشخصي هذه المجموعة مهمة جدا كون السكتش لا يقل اهمية عن اللوحات، باعتباره المحك الحقيقي للكشف عن قدرة الفنان في تمكنه من التحكم بأدواته، بالاضافة الى ذلك الاحساس الحقيقي الذي يتحقق ضمن تلك الانفعالات التي تظهر بين الخطوط عند لحظة تحريك القلم باحساس صادق وانفعال محكوم بموهبة حقيقية تسندها الخبرات والدراسات للفنان طوال سنوات عمله.

وستكون هذه المجموعة مرجع هام في المستقبل لما وثقت مشاهد حقيقية عن هذه المرحلة حول العالم ، والأهم ما وثقته من داخل المنازل وبإحساس عال، وأعطت صورة واضحة عن الحجر المنزلي في جميع حالاته.

 

 رابط المقال 

https://www.ammonnews.net/article/539713?fbclid=IwY2xjawRxoZRleHRuA2FlbQIxMQBicmlkETF1S283UzRQOG80cFpDdzZ0c3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHtyf860r2_2MpiqweK6jEylcruIIItaxNtsz_s7_aaQP-FNfeQoilHUgVcek_aem_RJgL21OT6cq3ubXob5Fs4Q 

 

 

الأنساب الفكرية للأدب الإفريقي .. تعرف الذات ما بعد الاستعمار مقابلة مع سيمون جيكاندي

 الأنساب الفكرية للأدب الإفريقي .. تعرف الذات ما بعد الاستعمار

مقابلة مع سيمون جيكاندي

 

أسيل عزيزية

مترجمة وباحثة وفنانة تشكيلية أردنية

 

ترتبط اللحظات العظيمة في الأدب الإفريقي بأزمات وجودية تدفع الأفارقة لإعادة تعريف ذواتهم في العالم. 

ويرى البروفيسور سيمون جيكاندي(*): إن مستقبل الأدب الإفريقي هو نتيجة حتمية للتحولات المستمرة في معنى أن تكون إفريقيا في عصر العولمة، حيث لم تعد الهوية محصورة في مكان واحد. 

وكذلك لا يمكن اعتبار الأجيال الأدبية على أنها كيانات متصارعة بل هي علامات تدل على التحول، وتدل على مشروع تربوي مستمر، فكل جيل يعيد تخيل إفريقيا الخاصة به انطلاقًا من تجاربه وزمانه ومكانه، ومنهاكتابات دامبودزو مارشيرا التي كانت شيئًا جديدًا بالأمس، واليوم أصبحت جزءًا من التراث الذي يتفاعل معه الجيل الجديد، أما بالاقتباس والنهج، وأما بالمعارضة.

 

-من أين أتى الأدب الإفريقي وإلى اين يتجه، وهل يمكن التكهن بمستقبله؟

* يرى جيكاندي من خلال أبحاثة المستمرة الطويلة أن الأدب الإفريقي ارتبط دائمًا بنوع من الأزمات، ليس بالضرورة أزمة سياسية أو اقتصادية، بل أزمة ظاهرية حيث يطرح الموضوع الأفريقي على نفسه سؤالاً: ما معنى أن تكون أفريقيًا، في لحظة ما، في زمن ما. 

ويضيف أن مستقبل هذا الأدب سيكون مدفوعًا بالتغيرات الديناميكية والمستمرة للغاية التي تحدث فيما يتعلق بما يعنيه أن تكون أفريقياً في هذا العالم.

فالأفارقة لم يعودوا محصورين في أماكن محددة، بل هم يعيشون في جميع أنحاء العالم الآن، ولهذا سيكون الآدب الإفريقي في المستقبل محاولة للاستجابة لما سيكون عليه ذلك المستقبل. ويمكنني التخيل أنه سيكون مستقبليًا في الواقع، ليس بالضرورة من ناحية فكرة الخيال العلمي المستقبلي، بل مستقبليًا بمعنى أنه لم يعد مهتماً بالحاضر أو الماضي، وإنما بدأ يتخيل فضاءً اوسع في المستقبل.

وعلى كل جيل أن يتخيل أفريقيته الخاصة، ويكون لديه مفهومه الخاص عن إفريقيا، وتجاربه الخاصة فيها، فإفريقيا اليوم (دال عائم) تختلف دلالاته باختلاف الأماكن والأزمنة، فمثلًا: تصور الإفريقي الذي يعيش في لندن للموطن يختلف تمامًا عن تصور نظيره الذي يعيش في ألاسكا، وعلى كل جيل أن يقدم منظوره الخاص لإفريقيا التي يعيش فيها ويختبرها.

 

- يُعتبر سيمون جيكاندي من الأجيال المحظوظة التي عاصرت الجيل الأول من الكتاب الأفارقة، مثل: تشينوا آتشيبيونغوغي واثيونغو وولي سوينكا، وكانت تتشكل وجهات نظرهم حول الأدب أو اللغة، وحول الحياة بشكل عام من خلال تجاربهم الخاصة، كيف يمكن أن نفهم تلك التجارب؟

المؤسسة الأهم بالنسبة لهم كانت المدرسة الاستعمارية والجامعة وقد تعلموا الكتابة من خلال معلمين بريطانيين، لكن الجيل الذي تلاهم نشأ في حقبة ما بعد الاستعمار، وكانت تلك العلاقة القديمة مع بريطانيا قد تغيرت وأصبحت جزءًا من ذاكرة الكتّاب وليس جزءًا من تجاربهم. 

وهنا لابد لكل جيل أن يحدد علاقته بماضيه، لأن الأجيال مشاركون في مشروع تربوي مستمر ومختلف، حيث يُعلّم كل منها الآخر بطرق مختلفة فهو حوار متواصل ما بين الماضي والحاضر. 

نعم، توجد روابط عدة في الحوارات عبر الأجيال وهذا الاتصال يأتي من عدة اتجاهات تترابط فيه تقاليد الكتابة بلحظات ثقافية محددة، ويمكن للقارئ رؤية هذه الصلة في كتابات السير أبولو كاجوا الذي كتب في عشرينيات القرن الماضي عن "عادات شعب الباغاندا" و "تاريخ ملوك الباغاندا".

ومن أبرز ما يتعلق بهوية شعب الباغاندا، أسطورة كينتو، ولهذا وعندما يتحدث أحدهم عن كينتو فهويتحدث عن التقاليد لديهم حتى وإن لم يقرأ أعمال السير كاجوا فهذا نوع من الاتصال، وأصبحت جزءًامن تقاليد الشعب وتحديدًا في رواية جينيفر نانسوبوجا ماكوكبي "كينتو" وهي رواية تتسم بالأصالة.

الجميل في الأمر وجود العلاقات التناصية الفعلية بين أجيال الكتّاب، والتي تؤكد دائمًا أن الكتّاب هم أيضًا قراء. 

وبالنسبة للجيل الأحدث من الكتّاب الأفارقة الذين قرأوا لأجيال أقدم، فإنهم على دراية بالخطابات التي أطلقها هؤلاء الكتّاب. وإذا ما نظرت إلى رواية "غريسلاند" لكريس أباني، تجد أن الشخصية الرئيسية (إلفيس) تقرأ الكتب دائمًا، ومن الكتب التي تحبها هذه الشخصية هي روايات سيبرين إيكوينسي وأدب سوق أونيتشا. 

في الآونة الأخيرة، إذا قلبت الصحف الأفريقية، سترى اقتباسات لكتّاب لم يقرأوا لأولئك الروائيين. فقد كانت الأجيال الأقدم تقتبس من شكسبير حتى لو لم يقرأوا أعماله. فالأدب يخلق جمهورًا بالعادة،وهذا الجمهور بدوره يتبنى الأدب كأحد آليات تعامله مع الحياة، ويمكن للمرء أن يقول: إن الكتّاب الأفارقة منخرطون دائمًا في حوار مع الكتب التي قرأوها في المدرسة.

- كيف ومتى ولماذا نشأت فكرة الأدب بالمعنى الحديث للكلمة في أفريقيا.

يأتي الأدب من مصادر عديدة، على سبيل المثال، في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، كانت فكرة الأدب في إفريقيا تُروّج من قبل أشخاص عادوا من الشتات الإفريقي مثل ألكسندر كروميل، الذي كان قسيسًا أمريكيًا من أصل إفريقي أصيب بخيبة أمل في الولايات المتحدة وانتقل إلى ليبيريا، وإدوارد ويلموت بلايدن الذي وُلد في جزر العذراء لكنه انتهى به المطاف في سيراليون وليبيريا. 

كلاهما عمل في التدريس في كلية ليبيريا، والطريف أن لا أحد يتحدث عن ليبيريا في الأدب الأفريقي هذه الأيام، لكن كلية ليبيريا في تسعينيات القرن التاسع عشر كانت الأولى التي حاولت تعزيز الأدب،والذي كان يُنظر إليه وقتذاك على أنه مشروع حضاري.

وإذا انتقلنا إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، سنجد جيلا من الأفارقة الذين كانوا يطلقون على أنفسهم اسم "الأفارقة الجدد"، كانوا يقيمون في جنوب إفريقيا، ومنهم: توماس موفولو، وسول بلاتي، ودلومو، وبيتر إبراهامز، جميعهم تأثروا بالمدينة، كانوا يتخيلون موضوعات أفريقية جديدة. ومن أقدم روايات المدينة الأفريقية، رواية "مأساة أفريقية" لـ آر دلومو، التي نُشرت عام 1928، وهي تعكس تقليدًا كاملًا من الروايات الناشئة في المدينة.

إن الأمر المهم الذي حدث في الخمسينيات هو تأسيس الأدب مؤسسيًا من خلال الجامعة، وإنشاء كليات، مثل: ماكيريري، وإيبادان، وجامعة غانا، وغيرها، كان الأمر في غاية الأهمية لأنه وللمرة الأولى يذهب جيل إلى الجامعة لدراسة الأدب ويبدأ في الكتابة. 

وهذا الأدب مختلف لأنه مؤسسي، لذا كان هناك أمران مهمان يحدثان في الخمسينيات: أولاً: إنشاء الجامعة، وثانيًا: عملية التحرر من الاستعمار، والتي خلقت أفقًا جديدة من التوقعات وانتجت كتّابًا لم يعودوا مهتمين بالعلاقة القديمة مع أوروبا بل أصبحوا يحاولون تخيل هذا الفضاء الجديد لمرحلة ما بعد الاستعمار.

 

تطور الأفكار والكتابة الأفريقية 

قبل ظهور دور النشر الكبرى، كانت الصحف في مثابة مختبرات أولى لنشر أعمال كتّاب، مثل:توماس موفولو على حلقات، واستضافت نقاشات نقدية مبكرة حول طبيعة الأدب التخيلي. 

وكانت المطبعة، التي جاء بها المبشرون لأغراض دينية، هي الأداة التي مكنت الأفارقة من خلق مساحة للتعبير عن الذات، ومن المؤكد هنا أن الأرشيف ليس مجرد مستندات قديمة، بل هو مكان نكتشف فيه كيف شكّل أسلافنا هويتهم بعيدًا عن الصورة النمطية للعقلية "المستعمرة".

من الأزمة إلى الفرصة

شهدت المسيرة تحولات كبرى مرتبطة بالمؤسسات،ففي الخمسينيات، أدى إنشاء الجامعات، ومنها: (ميكريري وإيبادان) وعملية التحرر من الاستعمار إلى تأسيس أدب مؤسسي جديد.

وكان أحد أسباب ازدهار الكتّاب خلال الستينيات والسبعينيات هو اعتماد كتبهم في المناهج الدراسية، مما مكّن النشر المستقل من النجاح.

ثم جاءت أزمة الثمانينيات بانهيار البنى التحتية وهجرة المواهب، فبعد ازدهار الأدب في الستينيات وأوائل السبعينيات، حدثت في الثمانينيات "هجرة كبيرة" للمعرفة الأفريقية، حيث بدأ الكتاب والمثقفون بمغادرة أفريقيا، وأصبحت الجامعات في أزمة. واختفت دور النشر تختفي بين عشية وضحاها، مما أوجد فجوة بين الكتّاب وجمهورهم المباشر. 

ما حدث في الثمانينيات، أدى إلى نوع من الارتباك في المشهد الأدبي الإفريقي، وهذه هي الفترة مرت فيها سلسلة هاينمان للكتّاب الأفارقة بأزمة؛ كانت السلسلة في مراحلها الأخيرة، لكن هذه الأزمة نفسها ولّدت ظاهرة "الشتات الجديد"، الذي وسع بدوره المفهوم الجغرافي لإفريقيا وأنتج كتابًا من خلفيات هجينة. 

اليوم، تحللت احتكارية "حراس البوابة" التقليديين (دور النشر الكبرى) بفعل الرقمنة، مما أتاح مساحات نشر بديلة وجعل حراسة البوابة نشاطًا مشتتًا يتسم بالدمقرطة. وأوجد كتّابًا وسّعوا المعنى الجغرافي لأفريقيا.

 

كيف يمكن قراءة إشكالية الأدب الإفريقي بين القارة وأدب الشتات؟ وما هو الحل؟

من المؤكد أن هناك تفضيل غير عادل للأدب المنتج في الشتات، والذي يحظى بظهور أكبر بسبب قربه من المؤسسات الإعلامية الغربية، وهذا التمركز يهدد بتهميش الأدب المنتج محليًا داخل إفريقيا، رغم جودته وارتباطه بجمهوره. 

الحل، ليس في رفض أدب الشتات، بل في دفع النقاد والنشطاء لتسليط الضوء على الأدب المحلي عبر منصات أفريقية، والعمل على إيجاد قنوات تسويقية تمكنه من الوصول إلى قراء عالمين، كما حدث مع تشينوا أتشيبي، ولو اقتصرت رواية "Things Fall Apart" على القارئ في نيجيريا، لما أصبحت الكتاب الذي غير المشهد الكتابي الأفريقي والأدب العالمي. 

 

كيف يمكن فهم مراحل الأدب الإفريقي ما بعد تفكيك الاستعمار؟

هناك ثلاث مراحل مرّ بها الأدب الإفريقي

أولًا: مرحلة التحرر السياسي من الاستعمار في الستينيات. 

ثانيًا: حركات الدمقرطة التي كانت تدحض ديكتاتوريات ما بعد الاستعمار.

ثالثًا: وعد العولمة كمساواة، لكن الواقع أن الكاتب والمثقف الإفريقي حيثما ذهب، ما يزال يعيشون في هيكل تاريخي بُنِي ضد مصالحهم ووجودهم.

إن فكرة "يجب أن يسقط رودس" (Rhodes Must Fall)،(**) كان لها أثر كبير استثمر رودس الكثير من المال، من خلال استغلال الأفارقة والموارد الأفريقية، لبناء جامعات ومؤسسات، استبعدت الأفارقة عمدًا. 

والسؤال هنا، كيف لمؤسسة بُنيت على ثروة جاءت من استغلال العمل الأفريقي وتدمير حياة الأفارقة أن تستبعد الأفارقة عمدًا من هياكلها وحتى من نطاق الإنسانية دون أن تكون هناك عواقب؟ 

ان حركات تفكيك الاستعمار مثل: "Rhodes Must Fall"ليس كمسعى لإسقاط تماثيل فقط، بل كمحاولة جذرية لاستجواب المفاهيم والمؤسسات التي بُنيت على إرث استعماري غير معترف به، وهذه هي النقطة التي يغفلها بعض الناس عندما يعتقدون أن الطلاب يطاردون تمثالًا في مكان ما.

قد يبدو التمثال مجرد قطعة من المعدن أو الصخر، لكنه يرتبط بسلسلة من المفاهيم، و"رودس"، هو رمز لفكرة معينة عن إفريقيا والأفارقة. نحن نتحدث عن الأفكار التي عمل عليه "رودس"، وهي التي يجب أن تسقط!(*)

 

طريقة جديدة للتفكير

إنها طريقة جيدة للتفكير في الأمر، حيث تحدث جيكاندي في كتابه "العبودية وثقافة الذوق" عن تمثال آخر في أكسفورد، وهو الموجود في مكتبة كودرينغتون، (حتى وقت قريب)، ولم يذكر أحد حقيقة أن كودرينغتون، الذي تبرع بتمويل المكتبة، جمع معظم ثروته كمالك لمزارع في بربادوس وبعض الجزر الأخرى في الكاريبي، وأن أمواله جاءت من العمل الأسود.

كل ما نراه في مكتبة القانون الشهيرة هذا هو تمثال لكودرينغتون يرتدي زي عضو في مجلس الشيوخ الروماني مع توجا، لكننا لا نسأل من أين جاء كل هذا المال. 

إن ما يحاول قوله في كتابه بشكل عام هو أنه عندما نتحدث عن الامتياز الحديث، وعن الذوق والثقافة ومؤسساتها، يجب أن نربطهم بمصادر الأموال التي جعلت كل هذه الأشياء ممكنة. 

هذه إحدى طرق لفت الانتباه إلى مفارقات الحداثة وإجبار الغرب على الاعتراف بتاريخه المدفون،فالموضوع ليس بشأن التماثيل، بل بالفكرة والأثر لهذه التماثيل وقول هذه الأشياء هي إحدى طرق تفكيك الاستعمار. 

إن تفكيك الاستعمار هو الرغبة والقدرة على القول والتحدث عن كيف تستخدم المؤسسات المفاهيم لمقاومة الاعتراف بجماعات معينة، أو حتى بالإقرار بوجود أشخاص معينين، بشكل مستمر. 

دور النساء

في هذا السياق، برز دور النساء، اللواتي استغللن التقنيات الرقمية الناشئة لإنشاء مساحات نشر ومهرجانات مستقلة، بعد أن استبعدهن النظام الأبوي السائد لسنوات. لم تشكل التقنية الفكر بقدر ما وفرت آليات جديدة للتفكير، وهو ما أعاد إحياء فنون مثل الشعر وخلق جماهير جديدة. ومع ذلك، يحذر من إهمال التراث الأدبي المكتوب باللغات الأفريقية، والذي ما يزال حبيس الأرشيفات.

لقد كان ظهور النساء كفاعلات في النشر وكاتبات هو الذي غير الأمور، وكانت إحدى طرق التفكير في مفارقة استبعاد النساء من النشر، وعندما تتم قراءة تاريخ سلسلة الكتّاب الأفارقة، لاستخدام مثال بارز، يتم تقديمه على أنه تاريخ لرجال أبطال أوجدوا هذا الأدب من خلال اكتشاف رجال آخرين أبطال ككتّاب. 

وكان وجود النساء محدودًا للغاية سواء ككاتبات أو ناشرات، وكان الأشخاص المستبعدون لديهم أيضًا قدرة على أن يكونوا أكثر إدراكًا للفرص الجديدة، وهذا ما حدث مع التحول غير المتوقع في التكنولوجيا نهاية القرن العشرين. 

عمل الإنترنت، الرقمنة على إتاحة فضاء ومساحات لتنظيم نشاطاتهم، وهي مساحات بديلة مستقلة للتعبير عن الذات. 

والمشكلة أن الكتّاب الأوائل كانوا يكتبون باللغات المحلية، وكانت أعمالهم هي الأكثر تأثيرًا في خلق جمهور قارئ أفريقي، وأن كل ثقافة أو مجموعة لغوية في أفريقيا لديها نصوص تأسيسية باللغة المحلية، لكن القليل من هذه النصوص يمكن الوصول إليه، لهذا نحتاج إلى استعادة هذه النصوص.

 

أصول الأدب الأفريقي وتشعباته 

تبقى الرحلة عبر أصول الأدب الأفريقي وتشعباته تؤكد أن هذا الأدب هو مشروع قيد البناء. فالأجيال تتعاقب، والأزمات تخلق فرصًا جديدة، والتقنيات تعيد تشكيل المشهد. 

وان التحدي الأكبر هو الحفاظ على حوار حي بين كل هذه الأقطار مع مقاومة المركزيات القديمة والجديدة، وأن تبقى أصوات القارة، في داخلها وخارجها، تسمع وتُرى على قدم المساواة.

 

 

 

ترجم بتصرف عن:

https://brittlepaper.com/2020/09/the-genealogies-of-african-literature-an-interview-with-prof-simon-gikandi/

 

(*) سيمون جيكاندي بدأ العمل مع دار "هاينمان" ودور النشر الأخرى عندما كان طالبًا في السنة الأولى بجامعة نيروبي، وعمل مع عدة دور نشر. طور علاقاته بها جيدا، وبدأ في قراءة المخطوطات وإعداد التقارير عنها،حصل على منحة من المجلس الثقافي البريطاني. وبمجرد أن أنهى دراسته، لم يرغب في العودة إلى النشر، لم يكن القرار صعبًا لأنه بحلول الوقت الذي أنهى فيه دراسته في منتصف الثمانينيات، كانت صناعة النشر تمر بأزمة،كانت "سلسلة الكتّاب الأفارقة" قد توقفت، وتم شراء "هاينمان" من قبل شركة متعددة الجنسيات تهتم بمجالات أخرى.

 

(**) يعتبر "رودس" رمزًا للفكر الاستعماري والتوسع الإمبريالي في إفريقيا، خاصةً بالنسبة لـ سيسيل رودس الذي أسس مستعمرة روديسياالبريطانية، حيث ترتبط فكرته بـ الاستعمار الأوروبي، وسعيه لتوسيع الحكم البريطاني في القارة، وخططه الاقتصادية ، وسيسيل رودس: كان شخصية محورية في تأسيس شركة بريتيش ساوث أفريكان والتي فرضت سيطرتها على أجزاء كبيرة من إفريقيا.


studies: Europe’s Migration Dilemma: Can the EU Balance Security and Humanity?

 

Europe’s Migration Dilemma: Can the EU Balance Security and Humanity?

Migration remains one of the most challenging issues facing the European Union today. More than a decade after the migration crisis of 2015, European leaders continue to struggle with a difficult question: How can the EU secure its borders while also protecting the rights of people seeking safety and a better life?

The arrival of over one million migrants and asylum seekers in 2015 exposed significant weaknesses in Europe's migration and asylum systems. Frontline countries such as Greece, Italy, and Spain faced enormous pressure as thousands of people crossed the Mediterranean in search of refuge. At the same time, disagreements among EU member states revealed deep divisions over who should be responsible for hosting and supporting asylum seekers.

In response to these challenges, the European Union introduced the New Pact on Migration and Asylum, a major reform package approved in 2024. The pact aims to create a more coordinated and efficient approach to migration management across the Union.

One of the key objectives of the new policy is stronger border management. Migrants arriving irregularly at the EU's external borders are now subject to enhanced screening procedures, including identity, health, and security checks. European authorities argue that these measures will improve security, reduce irregular migration, and restore public confidence in the EU's ability to manage its borders effectively.

The pact also seeks to speed up asylum procedures. Under the new framework, applications considered unlikely to succeed may be processed through accelerated procedures, allowing authorities to make decisions more quickly. Supporters believe this will reduce administrative burdens and discourage abuse of the asylum system. However, critics warn that faster procedures could limit asylum seekers' ability to present their cases fully and fairly.

Another important element of the reform is the principle of solidarity among member states. For years, countries located at the EU's external borders have complained about carrying a disproportionate share of the migration burden. The new pact introduces a mechanism that allows member states to contribute through refugee relocation, financial support, or operational assistance. While this flexible system represents a compromise, questions remain about whether it will be sufficient to overcome political disagreements between governments.

The European Union has also intensified cooperation with countries outside its borders. By working with countries of origin and transit, the EU hopes to combat migrant smuggling networks, improve border management, and address some of the factors driving migration. Supporters see these partnerships as essential to reducing dangerous journeys across the Mediterranean. Human rights organizations, however, have expressed concerns that some agreements may transfer responsibility to countries with weaker protections for migrants and refugees.

Despite its ambitions, the New Pact on Migration and Asylum continues to spark debate. Supporters view it as a necessary modernization of Europe's migration framework, combining security measures with humanitarian obligations. Critics argue that the reforms place too much emphasis on border control and not enough on protecting vulnerable individuals.

The reality is that migration is unlikely to disappear as a political issue. Armed conflicts, economic inequality, demographic changes, and the growing effects of climate change are expected to continue driving migration flows in the coming decades. As a result, European policymakers will face ongoing pressure to adapt and improve migration governance.

The success of the EU's new migration policy will ultimately depend on its implementation. Stronger borders alone cannot solve the migration challenge, nor can humanitarian commitments succeed without effective management and cooperation among member states. Europe's ability to balance security, human rights, and solidarity will remain a defining test of the Union's values and political unity in the years ahead.

By Aseel Azizieh

Friday, 15 May 2026

الخط والعمارة الإسلامية .. الزخرفة هي الكلمة

 

الخط والعمارة الإسلامية .. الزخرفة هي الكلمة 

 الزخرفة هي الكلمة

 

مجلة فنون وزترة الثقافة الاردنية العدد 51 صفحة 101

ترجمته بتصرف(*): أسيل عزيزية

مقدمة

منذ القدم كان للصورة أهميتها، ولم يكن للخط أي سيطرة آنذاك، ولم يكن يحظى بالأهمية التي حظي بها في الإسلام.

وقد حلت الكلمة في الإسلام مكان الصورة، وارتبطت الكتابة بالرسالة التي تمجد ذكر الله وترشد إلى آياته ومعجزاته وبديع صنعه. 

وكان الخط العربي جزءا من الفنون الإسلامية التي حظيت بالاهتمام  والتطوير على يد عدد من الخطاطين العرب والمسلمين في مختلف العصور لما يرتبط الخط بالرسم القرآني، ومنهم ابن مقلة، وأبو الحسن علي ابن هلال المعروف بـ"ابن البواب" وياقوت الرومي وعلي ابن هلال البغدادي، خالد بن الهياج، وصاحب البردة، الشاعر شرف الدين أبو عبدالله البصيري الذي كان جيد الخط، يقال أنه كان يعلم في الأسبوع مئات الطلبة ممن يحبون إتقان الخط.

ولم يقتصر توظيف الخط على الجانب التواصلي في الكتابة، أو الجانب الجمالي والإعلاني، وإنما ارتبط بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي نقشت على جدران العمارة الإسلامية وأصبحت جزءا منها.

لقد لعب الخط دورًا مركزيًا في العمارة الإسلامية،خاصة عندما تم إنتاج النسخ الأولى من القرآن الكريم.  حيث كان سيتم كتابة القرآن بتفصيل كبير،مما كاد أن يبلغ طوله بضعة أمتار ، لذلك بدأ الكتابة بكتابة آيات القرآن على جدران المسجد باستخدام تقنيات الخط ، حيث يحرم تجسيد الصور الآدمية في الإسلام (التشخيص)، والتي لعبت أيضًا دورًاأساسيًا في ظهور فن الخط في العمارة الإسلامية. 

روحانية الخط العربي

‎ الخط هو شكل من أشكال الفن يعتبر من أهم وأقدس أشكال الفن الإسلامي. يعود الفضل في قدسيتها إلى القرآن الكريم، الذي نُسخ باللغة العربية لأول مرة.  حيث واجه الكتاب المسلمون خلال القرن السابع تحدي تطوير نص يليق بكلمات الله،لذلك بدأ الكتابة المسلمون في كتابة القرآن باستخدام الخط الذي يحمل الآن أهمية روحية مقدسة، وللمكانة التي احتلها الخط في الإسلام، فقد حظي الخطاط بمكانة مهمة في المجتمع.

أنواع الخط الإسلامي

‎ نشأ الخط في بدايته وتطور في البلدان العربية،وأكثر أنواع الخط انتشارًا هو الخط الكوفي، الذي اشتق اسمه من مدينة الكوفة، كما استخدم الشكل الكوفي في السجاد السلجوقي.

وبمرور الوقت، ظهرت بعض أنواع الخط الأكثر مرونة، على عكس الكوفي الذي كان له أسلوب ضيق يقوم في الأساس على الأبعاد الهندسية، وظلت تستخدم فى المنشآت المعمارية وظهرت على الرخام والخشب وعلى الصكوك النقدية وفى كثير من الفنون التطبيقية. 

وتنوعت الخطوط  في كثير من الأشكال، وارتبطت بأسماء المدن أو مبتكريها، غير أن المعتصم يصنفها في ستة أساليب، وهي: النسخ والرقعة والثلث، الريحان، المحقق، التعليق وبالإجمال فإن تلك الخطوط تتسم بالوضوح الذي يمكن قراءة الخط وفهمه، وسهولة كتابته وجمالياته.

‎ سادة الخط العثماني

بدأ الأتراك في تبني الخط واستخدامه بعد إسلامهم. وكان الخط الكوفي يطرز على زوايا السجاد ، حيث كانت من سمات السجاد التركي القديم الذي انتشر في المتاحف في جميع أنحاء العالم خلال عهد السلاجقة .

بدأ العمر الذهبي للخط التركي خلال الإمبراطورية العثمانية حيث ظهر الأساتذة الذين سيطروا على فن الخط التركي.

أول هؤلاء الأساتذة هو الشيخ حمد الله مصطفى(926-833) الذي كان كبير الخطاطين في عهد بايزيد الثاني.  بأمر من السلطان ، حاول إتقان 6 أنواع من الخط التي تم اختراعها حتى ذلك الوقت واستطاع أن يجيدها اجادة تامة، وكان مدرسة متميزة في الخط العربي في تركيا.

ثاني هؤلاء الأساتذة هو أحمد قره حصاري،  عاش هذا المعلم العظيم في عهد سليمان العظيم،  كان له أسلوب مميز وواضح في قدرته على جمع أكثر من نوع من أنواع الخطوط العربية في اللوحة الواحدة،وبصورة فنية عالية، وفي نهاية القرن السابع عشر،أجرى أستاذ يدعى حافظ عثمان تغييرات أساسية في فن الخط وتأكد من اتباع تعاليمه من قبل الآخرين.

توقيع السلطان العثماني (طوغرا)

أظهر الخطاطون العثمانيون حرفية كبيرة في نوع الخط المسمى سيلي،  لقد حوّلوا الخط إلى أحد أكبر عناصر العمارة التذكارية التي نحتوها على الحجر والخشب أو المنقوشة على البلاط، ويمكن رؤية أمثلة على هذا الفن اليوم في قصر توبكابي ومسجد السلاطين العثمانيون، ومن ناحية أخرى ، احتوى توقيع السلاطين، على مزيج من الخط والمخطوط المضيئة، على اسم السلطان ولقبه في نمط محدد تم تطويره لعدة قرون.

‎ تزيين المساجد والقصور

ولفرط حب الخط فقد تم تزيين المساجد والقصور التي بنيت في عهد سليمان القانوني بشكل خاص بهذه السجاد والبلاط الثمينة و تملأ جدرانه آيات قرآنية مكتوبة بأجمل الخطوط.

واليوم ، من يأتي إلى اسطنبول في زيارة سياحية يصادف أمثلة من السجاد التركي وبلاط إزنيق وفن الخط التركي، والتي كانت بدأت مثل هذه الفروع الفنية في التطور خلال عهد الإمبراطورية السلجوقية ووصلت إلى ذروتها في العصر العثماني.

لجأ الفنان العثماني وقتذاك إلى تزيين المساجد والأماكن العامة بالخط العربي والزخرفة الإسلامية، وانطلاقا من فكرة البعد عن التجسيد فقد تم طمس الصور الآدمية بإعادة تزيين الجدران بالخط والزخرفة، ومنها: تزيين أيا صوفيا بالزخارف الداخلية باستخدام البلاط الهندسي والخط العربي، وتم تنفيذ التمثيلات الخطية لاسم الله بدلاًمن الرسوم التوضيحية البشرية الحرفية لتغطية فسيفساء التي ارتبطت بتجسيد الرموز الدينية .

النظام الزخرفي في عمارة القدس

حظيت مدينة القدس باهتمام السلاطين العثمانيين لجهة العمارة التي تنوعت بين الأسبلة والخانقاه والتكايا والمدارس والمورستنات بالفنون التزيينية الزخرفية والخط العربي والفسيفساء وفن الأربيسك.

وقد أولى السلطان سليمان القانوني اهتماماً خاصاً بترميم المسجد الأقصى وتجديد نوافذه زخرفيا، كما تم تزيين واجهة المسجد وساحته الخارجية. 

وكانت قبة الصخرة واحدة من أقدم المباني الإسلامية التي شُيدت خلال عام 690 بعد الميلاد، واستخدم الخط في نظامها الزخرفي،  حيث يوجد نقش طوله 240 مترًا لأحد أقدم الأمثلة الباقية لآيات قرآنيةمُلصقة حول جزء خارجي حول الضريح بأكمله، كما أن هناك آلاف القطع الصغيرة الملونة من الزجاج موزعة على شكل آيات قرآنية في شكل خط حول الجزء العلوي من الجدران الداخلية، فكان الخط والزخرفة، والزخرفة هي الكلمة، وقد أُضيفت إليها كسوة الجدران الخارجية والداخلية واستبدال الفسيفساء بألواح الرّخام، والقاشاني، في عهد السّلطان سليمان القانوني في عام 1546 م، وتم كسوة القبة بالقاشاني وكتابة سورة "يس" كاملة على مثمن القبة الخارجي وكُتِب اسم السلطان عبد الحميد العثماني، ووُضِعت طرّة عثمانية عند إتمام التّرميم على واجهة المُثمّن الجنوبي بجانب البوابة الجنوبية لقبّة الصّخرة.(**)

 

مواد الخط وأدواته

ان أقلام الرصاص التي كان يستخدمها الخطاطون،صُنعت بواسطة قصب السكر وكانت طريقة نحتها تحدد نوع الخط، ان السكاكين الفضية والمرجانية المسماة بالمبرايات استخدمت لنحت أقلام الرصاص لشدة أهميتها وضعت على رفوف مصنوعة من العظام أو العاج، وهناك نماذج من مجموعات المباراة في مكتب الخزانة في قصر توبكابي في اسطنبول، أما الحبر المستخدم في الخط فقد كان يُصنع من الرماد المتجمع في أعلى الجدران التي شكلته سخام الشموع في مساجد سلاطين الإمبراطورية العثمانية، وكان الخطاطون يجرون التعديلات باستخدام طرف ألسنتهم.  ومن هذه الممارسة نشأ مصطلح "متعلم" بتعبير عنه (انه شخص يلعق الحبر)، وكان لكل خطاط حبر خاص به، ومحبرة خاصة يحملها على حزامه معلقة كالخنجر.

(*)ترجم عن الإنجليزية: History of Turkish (Ottoman) Islamic Calligraphy ، Istanbul Clues

Istanbul Tour Guide

(**) الختم العثماني لقبة الصخرة، ترك برس.https://www.turkpress.co

رابط المقال في مجلة فنون العدد 51 صفحة 101 

https://culture.gov.jo/AR/List/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9_%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86

https://culture.gov.jo/ebv4.0/root_storage/ar/eb_list_page/%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86_51.pdf

الفن في عصر الذكاء الاصطناعي

 

اسيل عزيزية
فنانة تشكيلية ومترجمة وباحثة في الفنون و الدراسات الاوروبية
 

الفن في عصر الذكاء الاصطناعي.. إبداع ام ازمة؟؟

 
هل يمكن لروبوت أن يصبح فناناً؟
مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم يعد هذا السؤال خيالاً علمياً، بل واقعاً يعيشه اليوم.
هناك تداعيات عديدة، في مجالات التقدم المتزايد في تقنيات المعلومات والاتصالات الجديدة، ومؤخراً، يحدث ظهور الذكاء الاصطناعي خللاً في بيئات مختلفة، مثل مجال الإبداع الفني. ما هي هذه التحديات التي يثيرها الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكننا تصور مستقبل دمج الذكاء الاصطناعي مع الفن؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة مستقبلية، بل أصبح يؤثر بالفعل على المعارض الفنية، واستوديوهات التصميم، وحتى المزادات، مثل لوحة «إدموند دي بيالمي» التي بيعت في دار كريستيز عام 2018. إن فهم تداعيته يعني استشراف مستقبل الثقافة بين الفرص غير المسبوقة ومخاطر التقييم، لم يعد السؤال: هل سيعبر الذكاء الاصطناعي الفن؟، بل كيف سيكون دمجه أو تنظيمه مع الفن؟
تعريف حدود الإبداع
لقد أعادت العلاقة بين الفنون البصرية والذكاء الاصطناعي، تعريف حدود الإبداع، وتحدي المفاهيم التقليدية للتأليف، والأصالة، والتعبير الفني في العالم، حيث يمكن للخوارزميات توليد صور رائعة تعتمد على أوصاف نصية بسيطة. لقد أصبحت الحدود بين الإنسان والآلة أكثر انتشاراً، فقدم الذكاء الاصطناعي أدوات عامة مثل (Stable Diffusion)، (Dall-e)، (Midjourney). التي تسمح لأي شخص بإنشاء تركيبات بصرية معقدة، دون الحاجة إلى إتقان تقنيات التصميم، أو مهارات الرسم التقليدية.
إن هذه الديمقراطية في الإبداع الفني، تفتح موجة جديدة من التجريبية، حيث لم يتم استكشاف الأساليب الهجينة والجمالية أبداً، ولكن هذه الثورة التكنولوجية ليست خالية من الجدل. يتساءل العديد من الفنانين عن الأخلاقيات وراء النماذج التي يتم تشكيلها في ملايين الصور، دون موافقة الفنانين الأصليين. ويتم التشكيك في مفهوم التأليف عندما تتمكن الآلة من إعادة دمج عناصر من أعمال موجودة لإنتاج شيء جديد، دون الإشارة إلى المصادر التي استمدت منها، ومن دون احترام الملكية الفكرية لتلك الأعمال، بالإضافة إلى ذلك، يتم إعادة تقييم دور الفنان إذا تم اعتبار الفن تعبيراً فردياً عن الذاتية الإنسانية.
إن التعاون مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، يثير الآن الشكوك حول ما يحدد المبدع حقاً، هل هو الفنان الذي يتصور الفكرة، أم الذي يسيطر على التنفيذ؟ إن القصد العاطفي، هو الذي يوجه الفن تقليدياً، ومن ناحية أخرى، يتم استخدامه أيضاً كأداة للتوسع الإبداعي، يستكشف الفنانون طرق دمج الخوارزميات في عملياتهم الإبداعية، ليست كبدائل، بل كشركاء يقترحون طرقاً غير متوقعة، إن هذا التناغم بين الحدس البشري والمعالجة الخوارزمية، يمكن أن يؤدي إلى أشكال فنية لم يكن في الإمكان تصورها من قبل.
تعريفات جديدة للفن والفنان
إن الفن البصري في عالم متأثر بشكل متزايد، ولكن من الواضح أن الأمر لا يتعلق بالقضاء على الإبداع البشري، بل بتحويله إلى سيناريو، حيث تعمل الآلات والبشر على خلق تعريفات الفن والفنان، التي ستستمر في التطور، مما يشكل تحدياً لنا لإعادة التفكير في ما يعنيه الإبداع حقاً، ففي الأونة الأخيرة، تم نشر الذكاء الاصطناعي في العديد من الأنشطة، والفن ليس استثناء، لدرجة إثارة العديد من الأسئلة، بما في ذلك تأثيره على الإبداع الفني. ويحُدث العصر الرقمي تغييرات جوهرية في واقعنا اليومي يوماً بعد يوم، فالذكاء الاصطناعي قادر على جمع البيانات الرقمية، وتطويرها، لتقديم أنواع جديدة من المحتوى المعلوماتي، لدرجة تغني عن الإنسان الذي كان حتى الآن المنتج الوحيد لهذا المحتوى. هل سوف يتلاشى الفنان في الخلفية لصالح الخوارزميات؟ هل فكرة الفن بدون فنان ممكنة؟ هل، وهل...؟
إن أشد النقاد قسوة يستحضرون ببساطة اختفاء الفنان في وجه التكنولوجيا الشاملة، وأن فكرة الذكاء الاصطناعي والفن هي جزء من بدعة كاملة تنهي المفهوم الكلاسيكي للفنان العلماني بالحقيقة، لا بد أن نذكر إن فكرة وجود الفن بدون الفنان هي فكرة مستحيلة. كما أنها تقوض جوهر الإبداع الأصيل والأصالة التي يمتلكها الفنان، والأسس الأصلية للفن الكلاسيكي، وفردية العمل الذي يبدو فيه الفنان الأصيل وحتى لو كان الفنان هو المبدع لهذا العمل، وشريكاً في العملية الإبداعية، محرضاً أو ناقلاً لفكرة التصميم الأولية.
ومع تشارك الذكاء الاصطناعي في الفن، يصبح الفن مادة كبيرة من المواد الموجودة بكثرة، وينتج عنه منتج يباع في السوق التجارية، سلعة فائقة وسط وفرة الأشياء المتاحة في سوق المستهلك. هذه الظاهرة واضحة بالفعل في صناعة النشر، حيث بدأت بعض الشركات بإنتاج كتب مصممة حصرياً بواسطة الذكاء الاصطناعي.
أليس الفن أفضل من الآلة؟ على سبيل المثال اعترفت مؤخراً «ريي كودان»، الحائزة على أعلى جائزة أدبية في اليابان، بأن حوالي 5% من روايتها قد كتبت بواسطة برنامج الذكاء الاصطناعي التوليدي (ChatGPT). ومع ذلك، حصدت جوائز، هل هذا ممكن؟
هل الذكاء الاصطناعي نهب العملية الإبداعية؟
وهل الذكاء الاصطناعي سوف يقتل المواهب؟
استغرق الفنانون العظماء في السابق، الكثير من الوقت والجهد والإمكانيات، ليتمكنوا من إنهاء أعمالهم الفنية، ومنهم من توفي ولم تكتمل بعض أعماله، وبعد قرون من اختفاء شخصيات مثل «سيزان»، و«مويه»، و«دافشني» اصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على اعادة إنتاج لوحات شهيرة في ثوان. وابتكار لوحات جديدة مستوحاة من هؤلاءالعظماء في تاريخ الفن، كل ذلك بفضل الخوارزميات وقوة الحواسيب العملاقة التي تحول سلسلة من الأصفار والآحاد الى لوحة فنية
فائقة الجودة.
الابداع والخيال البشري
يبدو الابداع والخيال البشري الان بلا جدوى في ابداع تحفة فنية، وهنا تكمن المشكلة، فإخفاء هوية الفنان يفسح المجال ل روبوتات عديمة المشاعر والوجدانيات لانتاج كميات هائلة من اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافية وما الى ذلك، ان اخفاء هوية الابداع، يمحو تماما القيمة الكلاسيكية للفن وكل هذا مخيف حقا.
هل الفن والذكاء الاصطناعي يسيران جنباً إلى جنب؟
وهل الذكاء الاصطناعي والفن: ثورة مفيدة للإبداع؟
أعتقد أن عشاق الذكاء الاصطناعي، لا يشاركون هذا الشعور، إذ يعتقدون أنه يمثل دعماً مبتكراً للفنانين، ويسمح لهم بإطلاق العنان لتعبيرهم، ويساعد في تمكينهم من خلق إمكانيات جديدة في العملية الإبداعية، حيث يسمح لهم بإمكانيات كبيرة لا نهاية لها.
يُشكل الذكاء الاصطناعي والفن بالفعل سوقاً محدداً في العديد من المجالات الإبداعية، وتتأثر جميع جوانب هذه الظاهرة تقريباً، بما في ذلك كل ما يتعلق بالنحت ثلاثي الأبعاد. وبالطبع الرسم أيضاً، ويستخدم بعض الفنانين برامج الرسم الرقمي المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإنشاء تأثيرات ضوئية، وقوام يستحيل تحقيقها باستخدام الفرش والأدوات التقليدية. بالنسبة لهؤلاء الفنانين من الجيل الثالث، لا يعد الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الإبداع البشري الأصيل بأي حال من الأحوال، طالما تم الحفاظ على رؤيتهم الإبداعية، فعلى سبيل المثال، هذا هو رأي الفنان الألماني «ماريو كليجمان»، الذي يرسم صوراً ومناظر طبيعية رقمية باستخدام الذكاء الاصطناعي. أو الفنان الأمريكي «سوجوين تشونغ»، الذي يستخدم الروبوتات ذات الأذرع الآلية لإنشاء الرسومات واللوحات.
نسخ جوهر البيئة
يؤكد الابتكار الفني نفسه، كتطور طبيعي للفن. وقد سعى الفنانون دائماً إلى تحسين تمثيل العالم، وحاولوا بأقصى جهدهم لتمثيله بشكل جميل. تماماً كما قرر الانطباعيون في عصرهم، العمل في الهواء الطلق، من أجل نسخ جوهر البيئة المباشرة على أفضل وجه، ومحاولة نقلهم للمشهد - ليس فقط بعناصره المادية -، بل أيضاً بمشاعره المعنوية غير الملموسة.
إن استخدام الذكاء الاصطناعي في الفن، لبدء أشكال جديدة من الوعي، هو في كل الأحوال اتجاه حقيقي يثير اهتمام الكثير من الناس، حتى وإن كان من الواضح جداً أن الآلة لن تحل محل الإنسان أبداً، بتكوينه النفسي والحسي. ولن تتمكن من امتلاك مشاعر وجوداته، أو إنسانيته التي تجعله قادراً على التعبير بشكل متعدد. هنا، لا بد أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد إبداعي، وليس منافساً، ورغم التحديات، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة وليس فنياً. وقد يشهد المستقبل مزيداً من التكامل بين العقل البشري والخوارزميات، مما قد يفتح مزيداً من الآفاق الجديدة للإبداع.
إن ظهور الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، يزعزع أسس الإبداع التقليدية، فيرى البعض أنه ثورة تفتح آفاقاً جديدة، ويجده آخرون أزمة تهدد أصالة الفن وقيمته. مما يثير أسئلة جوهرية: هل الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الفنانين، أم منافس شرس؟ هل يمكننا الحديث عن الفن في ظل استبدال اليد البشرية بخوارزمية؟ ويبقى هناك المزيد من الأسئلة حول هذا الموضوع، قد نستطيع الإجابة عليها في المستقبل القريب.
(*) ترجم بتصرف عن عدد من المصادر.
 
 
رابط المقال


https://culture.gov.jo/AR/List/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9_%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86

https://culture.gov.jo/ebv4.0/root_storage/ar/eb_list_page/fon202307_11zon.pdf

  العدد 57 صفحة 30  

الفن غي عصر الدكاء الاصطناعي 


https://elitephotoart.net/%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D8%AD-%D9%81%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%85%D9%83%D9%86-%D9%84%D8%B1%D8%A8/?fbclid=IwY2xjawR0bihleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeGcxGH0p7KBK_s7MAPnIaSoTycC5W4nySuZ_CxEpy56X2OK_4FGqAEGYbes0_aem_zZishfsGzOXb9duXex-qHQ