20\8\2022
كلما ترسخت تجربة الفنان أصبحت الطريق أكثر صعوبة، ومع أن الرواد ممن سبقونا مهدوا لنا الدرب وعبدوها بصور الحمال، إلا أن الكثيرين في هذا الزمن -أقصد الفنانين -يكادون يفقدون البوصلة ويتوهون في صحراء الوهم ويغرقون في فوضى المتاهات.
ما أريد أن أقول: إننا نرى الكثير من الفن، لكنه ليس كالفن ولا يشبهه بحال أبدا، ونشاهد الكثير من الزخرفة والكثير من الأعمال واللوحات، لكن هذه الكثرة لا تنتج فنا، ولا تصلح لدراسات فنية أو نقدية، ولا تضيف شيئا غير الزيف والتلوث البصري، وكثير من هذه الأعمال لا تدل على أصالة الفنان ولا تشير إلى تجربته، وإنما تكشف عن سرقات، ليس فيها من الفنان إلا توقيعه.
للأسف، أصبح المشهد ضبابيا، وفيه من الفوضى الكثير، واختلط الحابل بالنابل، فكل من سرق لوحة ووقع عليها، أصبح فنانا.
هذا مدعاة أن نقسم الفنانين إلى فنان حقيقي وفنان مزيف، ومن حسن الحظ أن الأعمال تدلنا على من هو حقيقي ومن يسعى للأضواء والشهرة دون أن يتسلح بالمهارة والأسلوب وخصوصية التجربة.
المشكلة، أن الفنان الحقيقي اليوم يبقى متعبدا في محرابه، يحارب لإنضاج تجربته من خلال مثابرته واعتكافه وجدبه على اللوحة ودراساته اللونية، وخلال ذلك يبقى حاملا لقضيته ورسالته، يدافع عنها، ببسالة.
الفنان الأصيل والحقيقي لا يمكن أن يستجيب لردود الأفعال أو قوانين السوق، ولا يلتفت لدعوات الآخرين السطحية في اختيار تقنياته وموضوعاته وأسلوبه، لأنه يعلم تماما أن تلك المطالب تأتي ممن لا يعرفون ماذا يريدون، ولا يعرفون ما يعني الفن.
الفنان ينبغي أن يتمتع بالذكاء والخصوصية، وأن يكون مثابرا لتطوير تجربته، وإلا فإنه لن يكون فنانا، وينبغي أن يترجم وعيه وثقافته للدلالة على عمق المعنى على سطح القماش، فالفنان لا يستخدم يديه لتجسيد اللوحة بالخط واللون، فحسب، وإنما يفرغ معرفته العقلية ومشاعره وتراكم خبراته.
العقل بالنسبة للفنان يوازي اليدين، أما المواد والقماش والألوان والفرش فليست سوى أدوات لتوجيه روح الإنسان، وعلى الدماغ أن يثبت أنه أداة رائعة.
يبدو من السخف أن يجادل المرء في استخدام الدماغ في الفن، فهذا الأمر من المسلمات البدهية، ولكن كما أن الأمر يبدو سخيفا، فإن هناك أسبابا تدعو بإلحاح لمواصلة النقاش.
كل يوم يظهر أشخاص يعدون أنفسهم فنانين، لكن في الواقع فإن هؤلاء يشكلون خطرا كبيرا على الفن، ويظهر أشخاص يمجدون سارقي التقنيات والأفكار ويطلَق عليهم صفة «فنان»، هؤلاء وأمثالهم يشكلون كارثة حقيقية أشد بشاعة من السراق أنفسهم.
No comments:
Post a Comment