الفوتوغراف في القدس..
تدوين التاريخ والمكان بالصورة
أسيل عزيزية
فنانة تشكيلية ومترجمة أردنية
---
يشابك تاريخ الحداثة العربية بكل تجلياتها مع تاريخ التصوير العربي، وبالمثل لقد ارتبط تاريخ التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي بالتحولات التكوينية في الاقتصاد السياسي، والحكم، والتكوينات الثقافية التي كانت جارية خلال القرن التاسع عشر.
كما ظهرت أشكال جديدة من الفكر والأدب، وسرعان ما تم استيعاب التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي كتعبير عن تلك الحالة الحداثيوية في جميع طبقات المجتمع.
وقد اشتمل تعبير الفوتوغراف على التصوير الوظيفي والكارتومانية الشخصية، وكذلك الاستخدام النشط للمناظر الطبيعية، والصور الفوتوغرافية التي تحتاجها الحكومات الإمبراطورية والمحلية.
ويشير مصطلح "كارثومانيا" إلى الجنون العالمي للطباعة حسب الطلب، كما صاغها المصور والمؤرخ الألماني (هيلموت غرنسشيم)، وبمعني آخر هوس الألبوم، ومن ثم طغيان التصوير الاستشراقي وهيمنة المصورين المغتربين والمحليين.
وقد خلقت التوفيقات التصويرية للقيم التقليدية مع أساليب الحياة الحديثة، والجمع بين التراكيب الراديكالية، أنواعًا جديدة من المحتوى الاجتماعي. وهكذا ارتبطت الحداثة العربية ارتباطًا وثيقًا بسمات ثقافة التحديث، كما شكلتارشيفا توثيقيا لقراءة أن توثق لدراسة أنماط الحياة، وبالنسبة لفلسطين والقدس، فقد شكلت الصورة شهادة وابطالا للرواية الصهيونية الاحتلالية التي قامت بسرقة التراث وتشويه المكان.
الفوتوغراف والاستشراق
وصل التصوير الفوتوغرافي في فلسطين عام 1839، وهو العام نفسه الذي قام فيه المصور (داجير) عملية التصوير إلى العالم في 11 ديسمبر 1839، بعد اربع سنوات تقريباً من اختراغ التصوير الفوتوغرافي من قبل (فرانسوا أراغو)، حيث صور الفرنسي (فيديريك جوبير فيسك) القدس لأول مرة (*)
وكانت أقدم الصور المعروفة قد التقطت لباب العامود في القدس بكاميرا (أوغوست زالزمان)، ونشرت عام 1856، وفقاً لموقع المجموعات الرقمية لمكتبة نيويورك العامة.
وقام العشرات من المصورين العرب والأجانب على حد سواء، بتصوير المنطقة على نطاق واسع في أماكن مثل: يافا وطبريا وبيروت ودمشق، كما صورت كاميرات العديد من المصورين الأوروبيين والأمريكيين فلسطين بانتظام.
وخلال السنوات العشرين الأولى من اختراع الوسيلة الجديدة، كان المصورون الأوروبيون حريصون بشكل خلص على تسجيل الأماكن المقدسة وغيرها من المواقع القديمة، واكدوا علاقتهم بالكتاب المقدس وكانت هناك محاولة واعية لربط المواقع المذكورة في الكتاب المقدس بمواقع جغرافية محددة، وجاءت مبيعات مناظر الأرض المقدسة في أوروبا الثانية بعد تلك الخاصة بأوروبا نفسها.
إن أي شخص يسعى إلى فهم عمل المصورين الأوروبيين الذين زاروا الأرض المقدسة، أو كانوا مقيمين فيها، أن يعترف بمدى أهمية فلسطين التي لعبت دوراً أساسياً في تطوير وسط التصوير الفوتوغرافي، وعلاوة على ذلك، فإن الإقبال على تصوير الأماكن المقدسة وخصوصاً مدينة القدس، كان مستمداً من أهميتها الدينية، بقدر ما هو مستمد من القيمة الاستراتيجية لموقع المنطقة بالنسبة للقوى الأوروبية المنخرطة في اقتسام أراضي الإمبراطورية العثمانية.
ومن المهم أن يؤخذ بالاعتبار أن غالبية المنشورات التي تتناول التصوير الفوتوغرافي في فلسطين، عموماً والقدس تحديداً، كتبها مؤلفون اجانب وإن بعض تلك المنشورات تم انتاجها بسوء نية مقصودة ومعظم المعلومات المتاحة عن التصوير الفوتوغرافي خلال هذه الفترة مستمدة من مصادر أوروبية، وبالتحديد من الالبومات المصورة ومذكرات السفر التي نشرت في القرن التاسع عشر.
ويمكن للمرء أن يفهم بسهولة، سبب احتلال المصورين الأوروبيين لمثل هذا المنصب البارز على حساب المصورين المحليين، على الرغم من ميزة الاخرين في تجنب منظور "المستشرقين" في عملهم وأهدافهم ونواياهم وارتباطاتهم، وربما يعود هذا النقص الكبير
في الفهم لعمل المصورين العرب على الرغم من إنتاجهم الهائل، وقد دمرت الحروب وموجات العنف والأحداث والهجرات القسرية العديدة من هذه الأرشيفات.
فمن يخبرنا عن عمل ودور المصور داود صابونجي وعيسى الصوابيني في يافا! ومن يخبرنا ايضا عن
عشرات المصورين المجهولين الذين تظهر توقيعاتهم من حين للآخر على بعض الصور!
أول استوديو في فلسطين
لقد بدأ التصوير الفوتوغرافي كحرفة جديدة للسكان في فلسطين منذ ستينات القرن التاسع عشر عندما أنشا البطريرك الأرمني، اساي جارابيديات ورشة تصوير في القدس لتدريب الشباب الأرمن وعمل على تطوير وتوسيع التعبير الفوتوغرافي في فلسطين
ففي أواخر الخمسينات من القرن التاسع عشر، بدأ اساي بإعطاء دورات في التصوير الفوتوغرافي داخل مجمع كنيسة القديس جيمس في البلدة القديمة في القدس، حيث التحق العديد من الطلاب لممارسة هذه المهنة، واستغرق الأمر بعض الوقت حتى تم افتتاح أول أستوديو في فلسطين، بالقدس عام 1885 أسسه جرابيد كريكوريان أحد طلاب جارابيديان وتبعه خليل رعد عام 1890 كأول مصور فلسطيني عربي فافتتح استوديو للتصوير في القدس وبعد عامين افتتح داود صابونجي استوديو في يافا
في عام 1898، وفي القدس، بدا ايليا مايرز تأسيس قسم التصوير الفوتوغرافي في أميركان كولوني، و قام بتدريب لورز "لويس" لارسون واريك ماتسون والفلسطيني فريد نصيف، حيث تولى لارسون في النهاية إدارة قسم التصوير الفوتوغرافي، وساعده فلسطينيون محليون مثل ناصيف وجميل ونجيب البينا، لارسون، مانسون والأخوان البينا مسؤولون عن شهرة صور المستعمرة الأمريكية، بما في ذلك صور الأحداث الجارية خلال الحرب العالمية الأولى، وزوال الإمبراطورية العثمانية وإنشاء الانتداب البريطاني، و استعمار فلسطين من قبل الأوروبيين.
لقد كرس العديد من المصورين العرب أنفسهم لتغطية الأحداث السياسية، والحياة اليومية، وبعض الحفريات الاثرية الكبرى التي كانت تجري في فلسطين، حيث وثق المصور خليل رعد المجريات السياسية والحياتية اليومية لما يقرب من خمسين عاما وعلى الرغم من الاستيلاء على طريق يافا بالقدس عام 1948، من قبل الصهاينة، بقيت الكثير من أعماله بفضل صديقه الإيطالي الذي عبر المنطقة عدة مرات ليلا لإنقاذ الأرشيف بأكمله من استوديو رعد
التصوير العربي
ويذكر (روبرت موشبك) أن الإيطالي الذي اضطر الى تسلق اسوار المدينة القديمة في مهمات الإنقاذ عمل في مكتبة بوليس سعيد التي كانت بجوار استوديو رعد على طريق يافا، ويعود له الفضل الكبيربالحفاظ على أعمال خليل رعد.
لا يمكن التقليل من مساهمة الأرمن في تطوير "التصوير العربي" بصرف النظر عن تدفق الأرمن إلى المدن العربية 1894 - 1896، والتدفق الهائل للاجئين بعد عامي 1915 - 1916، حيث كانت المجتمعات الأرمنية الصغيرة موجودة في سورية الكبرى ومصر لعدة قرون، وتم افتتاح العديد من الاستوديوهات في القدس، والتي خدمت في حينها الطبقة الوسطى الفلسطينية الناشئة حديثا كما قامت المستعمرة الامريكية (**)، وميزون بونفيس (***)، بخدمة سياح الاراضي المقدسة من خلال التصوير.
بدأ فسم خدمات التصوير الفوتوغرافي في "الأمريكان كولوني" المستعمرة عام 1898. إذ قام مصورو القسم المذكور بتوثيق زيارة قيصر المانيا فيلهلم الثاني وملك بروسيا إلى القدس في تشرين الأول/أكتوبر 1898. وقد حظيت هذه الصور باهتمام الجمهور، ولقيت طلبا كثيرا عليها، الأمر الذي سمح للأمريكان كولوني بتوسيع أعمالها جراء الاهتمام الواسع بصور الزيارة الملكية لقيصر ألمانيا.
خلال ثلاثة عقود ونصف (1898 – 1933)، كانت دائرة التصوير في الأمريكان كولوني المؤسسة الأولى والابرز في الشرق الأوسط، التي تمكنت من توثيق الأحداث الكبرى، والحروب والاحتفالات والحياة اليومية في هذا الاقليم الصاخب بالتطورات.
لقد تناول مصورو الأمريكان كولوني موضوعات شديدة التنوع، بدءًا من المواقع الأثرية والساحات والرحلات، إلى المشاهد الحضرية والمظاهر الطبيعية في مختلف بلدان الشرق الأوسط، إذ تنقل مصوروها بناء على طلبات مسبقة ما بين مناطق كالاردن سوريا، لبنان، العراق، مصر، السودان، ودول أخرى في أفريقيا.
لقد وثقت دائرة التصوير الفوتوغرافي في الأمريكان كولوني استعدادات الحكومة العثمانية في فلسطين للحرب ثم وقائع الحرب العالمية الأولى في فلسطين وسيناء. ودخول الجنرال اللنبي وقوات الحلفاء إلى المدن الفلسطينية، واحتفالات الجيش البريطاني باحتلال القدس، واستسلام الحاميات العثمانية.
كما وثقت أعمال الادارة في عهد الانتداب في فلسطين. وكذلك المستوطنات الصهيونية المبكرة فيها، وحظيت القدس بالحصة الأكبر من الصور التي خلفتها الأمريكان كولوني وراءها كما تبين ذلك المجموعات المحفوظة باسم (إريك) و(إديث ماتسون) لدى مكتبة الكونغرس الأمريكي.
لقد شكلت دائرة التصوير في المستعمرة خلال نشاطها في القدس، أهم مصادر التصوير الفوتوغرافي عن فلسطين، والعالم العربي، والشرق الأوسط عموماً.
تدوين الأحداث بصرياً
إن ارتباط فلسطين بأوائل الصور التي التقطت بالعالم يعطيها قيمتها الجمالية، وأهميتها التاريخية، كما كان الفوتوغراف في فلسطين متنوعاً، منه: البورتريه، حيث حفظت ملامح الكثير من الفلسطينيين المناضلين ضد الاستعمار الصهيوني والانتداب البريطاني، وهناك صور للزعيم الوطني عز الدين القسام، وسعيد العاص، وأغلب الرجال الذين قاتلوا من أجل وطنهم، وصور أخرى توثق الأزياء لتلك المنطقة، والفلكور الفلسطيني، كما كانت في بعض الأحيان "الموضة" تظهر في أعمال بعض المصورين الذين نجحوا في أوروبا.
وصور أخرى أظهرت حساسية كبيرة في تصور الحياة اليومية للفلاحين، ومناظر مختلفة للمدن والقرى. وللمزارعين الذين يعملون في حقولهم وبساتينهم فهذه الصور جميعها تبدد الخرافات التي أطلقها المستعمرون في فلسطين مبان الأرض كانت خالية من السكان سوى عدد قليل من المتوحشين.
من جانب آخر، لا ينبغي إغفال أن معظم التصوير الفوتوغرافي الأوروبي استدعي هذه الخزانات وكانت بمثابة نوع من الانفتاح الشعري على العزلة الذي كان سيحدث بعد ذلك، وشارك التبشيريون بشكل خاص في هذه الخرافات، وكان بمثابة نوع من الانفتاح البصري على الغزو الذي كان سيتبع ذلك وشارك الفرنسيون بشكل خاص في نشر هذه الخرافات وكرست مبالغ كبيرة لبعثات التصوير الفوتوغرافي العلمية الزائفة، والتي كانت تماماً بمثابة محتلين بصفة باحثين "بانتظار وصول قواتهم".
وفي عام 1865، تأسس صندوق استكشاف فلسطين في بريطانيا، وأرسلت العديد من البعثات إلى فلسطين في مهمة لالتقاط آلاف الصور ورسم الخرائط، وكان الهدف المفترض لهذه البعثات أثرياً، ولكن بفضل بحثها الشامل ودقة تفاصيلها، تمكن الجنرال اللنبي من توجيه حملاته ودخول القدس في عام 1918.
تدمير الذاكرة البصرية
ان الرؤية التي قدمها المصورون الاوروبيون والامريكيون لم تعط اية اهمية على الاطلاق للفلسطينيين بعكس الصور والرؤيا التي قدمها المصورون العرب فان الظهور للسكان المحليين حول الأماكن المقدسة عند الغرب كتم ينظر اليه على انه تدنيس واهانة لامجاد الماضي وبدت كلمات فرانسيس فريث وكأنها دعوة حاشدة الحاضر والماضي البربريان يضعان عبثا من المسؤولية على الغرب لإنقاذ الأرض المقدسة من متوحشيها
ولهذا فقد كان المصورون العرب هم أفضل من أرشيف ودون الصورة الحقيقية لفلسطين وواقع سكانها قبل وخلال الاستعمار الصهيوني والانتداب البريطاني من ادنى تفاصيل الحياة اليومية الى الاحداث السياسية الرئيسية ولكن للاسف تكثر الارشيفات خاصتهم تم تدميرها
بثد بقيت الصورة الفوتوغرافية شاهدة على عروبة فلسطين والقدس من خلال الصور التي تناولت المكان والإنسان رغم كل وسائل التشويه والتزوير للتاريخ والجغرافيا التي عمد إليها المحتل الصهيوني
https://culture.gov.jo/AR/List/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9_%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86
https://culture.gov.jo/ebv4.0/root_storage/ar/eb_list_page/funon49.pdf
العدد 49 صفحة 70
No comments:
Post a Comment