Thursday, 4 June 2026

تاريخ الأدب التركي وتحولاته.. الانفتاح على الحداثة

 أسيل عزيزية مترجمة وباحثة وفنانة تشكيلية 

 تاريخ الأدب التركي وتحولاته.. الانفتاح على الحداثة

 

“عشقك أخذني مني وأنت تلازمني.. إنني أحترق في ليلي ونهاري إليك وأنت ملازمي” يونس إمره

 

"لتحمل لك الفرحة كل طيبات الأرض ليحمل لك الفرحة الظل والضوء لتحمل لك الفرحة الفصول الأربعة ولكن فليحمل لك الإنسان أول فرحة"

ناظم حكمت من قصيدة "لعلها آخر رسالة إلى ولدي محمد" من ديوان أغنيات المنفى

 

تعود اللغة التركية لمئات السنين، لكن التركية المكتوبة هي لغة حديثة تطورت من لهجات تحالف قبائل الأوغوز (وهم فرع من الإيغور) والقفجاق الذين وصلوا إلى آسيا الصغرى أو الأناضول منذ القرن التاسع الميلادي قادمين من وسط آسيا، وهي الهجرة التي أثمرت الدولة السلجوقية التي ورثتها السلطنة العثمانية.  

وكان لتلك القبائل تأثير كبير على الأدب التركي وتاريخه، واغلب مؤلفات ونصوص الادب التركي الشفوية والكتابية تأثرت بالعثمانية و الأذربيجانية ، والتي تشكل الأساس للكثير من النصوص المكتوبة بشكل كبير بالأدب الفارسي والعربي ، حيث استخدمت  فيها الأبجدية التركية العثمانية. 

وعندما اعتنق الأتراك الإسلام، تغيرت اللغة التركية واختلفت ابجديتها، فبدأوا باستخدام الفارسية، والعربية. واهتم الأتراك بالنصوص العثمانية التي كُتبت بالأبجدية العربية في العهد العثماني.

 

امتد الأدب التركي في العديد من القارات والمناطق حوالي اثني عشر قرنًا.  ووفقًا للمصادر الصينية فقد  بدأ الأدب التركي في القرن الثاني قبل الميلاد ، لكن ليس هناك أي دليل او مخطوطات مكتوبة ناجية من تلك الفترة.  وكان امتداده الأوسع نطاقاً إلى ما قبل 1500 عام تقريبا. 

ويشير باحثون الى ان مخطوطات ونقوش اورهان أقدم السجلات الموجودة للتركية المكتوبة ، والتي عُثر عليها واكتشفت عام 1889 في وادي نهر اورهان شمال منغوليا، موطن الاتراك الاصلي.

 ويرجح انها تعود للقرن السابع او الثامن الميلادي. نقوش اورهان هي نقوش  مكتوبة بالخط المسماري على نصب حجرية كبيرة.  ولقد صُنع هذا النصب تكريمًا للأخوين الأتراك الأمير كول تيجن والامبراطور بلجا هاجان ، وتُعد هذه النصب مهمة جدا لغناها بالمعلومات حول ثقافة الأتراك والحياة الاجتماعية والفنون وكل اهتماماتهم آنذاك.

 وتبعت هذه الفترة ، أي ما بين القرنين التاسع والحادي عشر ، تقليدا للملاحم الشفوية بين الشعوب التركية الرحل في آسيا الوسطى، وكانت النصوص الأدبية والمفردات التي قَبِلها الأتراك بعد اعتناقهم الإسلام هي تلك المتعلقة بنوع الأنساب، والفقه، وتاريخ الأنبياء، والأساطير التي بدأت بكتاب ده ده قورقوت (١)* - والذي ربما يعود أصله إلى شعر القرن العاشر، لكنه ظل تقليدًا شفهيًا حتى القرن الخامس عشر- بالإضافة إلى الرسائل، والمناقب، والتواريخ، والملاحظات التي تعتبر أحد أشكال النثر. 

أما عن الأدب الشعبي التركي فهو مستمر منذ العصور القديمة و يتعلق بموضوعات العشق واذرع التكايا (٢)* . ووُجدت أشكال متعددة للأدب الشعبي وهي: الألغاز، الملاحم، الحكايات الخيالية، الأساطير، القصص، الأمثلة الشعبية، الفقرات، التعبيرات، المسرحيات. وقد وصل أدب التكايا إلى يومنا هذا عن طريق قوالب المناجاة، المولد النبوي، الإلاهيات، النعوت، والطقوس . 

ولا بد الى الاشارة انه بدءًا من انتصار السلاجقة في معركة مانزكرت في أواخر القرن الحادي عشر، بدأ الأتراك الأوغوز بالاستقرار في الأناضول ، وهو يمثل أيضا بدايات التقاليد الشفوية، وبعدها تطورّ الأدب الديواني إلى جانب الأدب الشعبي والذي يطلق عليه أيضاً الأدب الكلاسيكي. وبانتشار الكتابة الروائية في الغرب بدأ الاتجاه نحو التأليف والترجمة في الأدب التركي منذ بداية  القرن التاسع عشر الميلادي في البلدان العربية .

 نشأ تقليد أدبي مكتوب - من حيث الموضوعات والأنواع ، والأساليب - من الأدب العربي والفارسي، وانتشر بشكل كبير على مدى 900 عام تالية وحتى قبل وقت قصير من سقوط الإمبراطورية العثمانية في عام ،1922 ويمكننا القول ان اللغة التركية المكتوبة تطورت تدريجيا وتأثرت بالتقاليد الإسلامية، التي مثلها الشاعر التركي يونس إمره الذي ألهمت أشعاره المكتوبة باللهجة التركية الأناضولية القديمة الثقافة والأدب التركيين بالعصر الحديث،- وأصدر المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو قرارا بالإجماع يعلن عام 1991، الذكرى 750 لميلاد الشاعر، “عام يونس إمره الدولي” -.

 وبقيت التقاليد الشفوية والمكتوبة منفصلة إلى حد كبير عن بعضها البعض. لكنهما اجتمعا معا ولاول مرة  مع تأسيس جمهورية تركيا عام 1923 . 

 

تاريخ الأدب التركي 

 

 ان أقدم الأمثلة المعروفة للشعر التركي تعود إلى القرن السادس الميلادي وكانت مؤلفة باللغة الأويغورية.  و تشير الوثائق إلى أن أقدم النسخ التي دونت الآيات القرآنية باللغة العربية تنسب إلى كتّاب الأويغور الأتراك والتي توفر بعضها فقط في ترجمات باللغة الصينية.  

خلال عصر الشعر الشفهي ، كانت الأبيات التركية الأولى بمثابة الاغاني وكان انشادها يمثل جزءًا من الحياة الاجتماعية والترفيهية للمجتمع.  على سبيل المثال ، كانت ابيات الشعر في الثقافة الشامانية والروحانية للشعوب التركية قبل الإسلام تؤدى في التجمعات الدينية في الاحتفالات قبل الصيد، وفي الأعياد الجماعية بعد الصيد أي عند اقامة الولائم. كما كان يتم غناء الشعر في أوقات احتفالية و واحيانا انشاد مرثي يسمى ساغو في الجنازات وغيرها من إحياء ذكرى الموتى.

وكما كان الشعر الشعبي التركي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالموسيقى الشعبية التركية ، فقد طور شعر الديوان العثماني ارتباطًا قويًا بالموسيقى الكلاسيكية التركية ، حيث غالبًا ما يتم استخدام قصائد شعراء الديوان لتكون بمثابة كلمات أغاني.

 من الملاحم الطويلة ، هناك فقط اوغوزنام (٣)*  وهي الوحيدة التي نجت بالكامل. -والاوغوزنام هو اسم للعديد من الكتب التاريخية التي وردت فيها أساطير الشعوب التركية. - منها كتاب داده قورقوت.  اما الأعمال المكتوبة المبكرة كوتادغو بيليغ (حكمة المجد الملكي) وديوان لغات الترك (٤)* (قاموس اللهجات التركية)، فيعود تاريخها  إلى النصف الثاني من القرن الحادي عشر وهي أقدم الأمثلة المعروفة للأدب التركي مع استثناءات قليلة.

ومن الكتابات التركية المبكرة الأخرى هي قاموس تركي عربي من القرن الحادي عشر كتبه محمود قشقري وكتاب مبادئ إسلامية 

 كتبه يوسف حسيب ؛ و  مخطوطات من القرن السادس عشر لملحمة بطولية سابقة لـ "كتاب داده قورقوت" ؛  والشعر الصوفي في القرن الثالث عشر.  حيث تطورت كل هذه الأشكال المختلفة من الأدب إلى الأدب العثماني بدءًا من القرن الثالث عشر وما بعده.

 وكان الشاعر الصوفي يونس إمره من أهم الشخصيات في بدايات الأدب التركي في القرن الثالث عشر.  حيث استمر العصر الذهبي للأدب العثماني من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر ، وشمل في الغالب شعرًا ديوانيًا مع بعض الأعمال النثرية ، وأبرزها كتاب الرحلات الذي كتبه اوليا جلبي المكون من عشر مجلدات. 

 في عهد الإمبراطورية العثمانية ، تم تقسيم الأدب إلى شعر ديوان حيث تبع قواعد صارمة من قبل المثقفين ، والشعر الشعبي الذي يتكون من الأغاني الشعبية والحكايات الشعبية والأمثال والأحاجي وعروض الأداء القروية.  حتى السلاطين وقتها كتبوا قصائد ، وكان عملا محترما وله تقديرا وقيمة عالية.  وأثرت الأشكال الفارسية على الشعراء العثمانيين ابتداءا من منتصف القرن السادس عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر عندما بدأ التغريب بتأثير الشعر الفرنسي..

 الادب التركي الحديث 

تركيا لديها بعض الكتاب الأكثر جدية من العهدين العثماني والجمهوري.  وتأثرت بعض أعمالهم الأدبية بالأحداث السياسية أو بظروف الفترة التي عاشوها. وقد أثروا هؤلاء الكتاب والشعراء الثقافة التركية بالشعر العاطفي والروايات الخيالية باستخدام أساليبهم الفريدة في الكتابة. 

 ربما لم يصبحوا مشهورين بعد مثل نظرائهم في الغرب ، أو كان الأمر كذلك حتى وقت قريب.  ولكن مع ترجمات أعمالهم إلى لغات مختلفة اليوم ، من الممكن استكشاف هؤلاء المؤلفين والشعراء الأتراك وطريقتهم الرائعة في الكتابة.  

كان يشار كمال أحد الكتاب الأتراك البارزين الذين ترشحوا لنيل جائزة نوبل في الأدب عن روايته " مهمت إنجه" تعني محمد النحيل،  وفي الوقت نفسه ، حصل أورهان باموق على هذه الجائزة في عام 2006 بروايته "متحف البراءة".

وقد تحققت التطورات الأدبية في العالم التركي أيضاً على مدى السنين وكانت هذه الانجازات شاهدا على الصحوة الوطنية في نهايات القرن العشرين. وبدأوا يتناولوا الأفكار الوطنية كثيراً في أعمالهم ومُنعت لنصف قرن واتجهت نحو الثقافات الخاصة للشعرا والكُتاب.

 

(١)* تعتبر حكايات “ده ده قورقوت”إحدى أهم القيم المشتركة للعالم التركي. ومن غير المعروف بالتحديد الموقع الجغرافي الذي شهد أحداث تلك الحكايات، لكن ثمة آراء تقول إنها وقعت في منطقتي شمال شرق الأناضول وآذربيجان، وذلك استناداً إلى ما ورد في الحكايات من أحداث. وتاريخ هذه الحكايات يصادف الفترة الواقعة بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين. وظلت هذه الحكايات تتناقلها الألسن شفهيّا من شخصٍ الى آخر، ومن جيل إلى جيل، وفي القرن الخامس عشر أو السادس عشر تم تدوين جميع تلك الحكايات التي تعكس لنا طِراز الحياة التقليدية والبناء الأسري لتلك القبائل أتراك الأوغوز، فضلاً عن تسليطها الضوء على صراعهم مع الأقوام والممالك المجاورة.

(٢)* التكايا كانت ملجأ لعابري السبيل والعبّاد من المتصوفة، وكانت لها حرمتها ومكانتها وممنوع المساس بها، ظهرت مع العثمانيين، بوصفها مأوى للدراويش وطلاب العلم، وسكناً ومقراً لتلقي العلم وتبادل الحديث والادب.

(٣)* اوغوزنام Oguzname هو اسم العديد من الكتب التاريخية عن أساطير الشعوب التركية. إنها كلمة مركبة حيث يشير Oğuz إلى Oghuz Khagan ، الملك الأسطوري للشعوب التركية ويعني الاسم القصة. وفقًا لموسوعة الإسلام ، قد يصل عدد أسماء Oğuznames إلى 30 اسمًا.  ومن بين هذه الكتب كتاب ديدي كوركوت وسلجوكنامه.

(٤)* ديوان لغات الترك يعتبر اهم الكتب واول جسر تواصل بين التركية والعربية

رابط المقال

https://culture.gov.jo/AR/List/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9_%D8%A3%D9%81%D9%83%D8%A7%D8%B1 

https://culture.gov.jo/ebv4.0/root_storage/ar/eb_list_page/afkr202314-0.pdf 

افكار العدد 424  صفحة 90 

ايار 2024

No comments:

Post a Comment