Friday, 2 January 2026

اللوحة حياة

1\2023

اللوحة حياة .. حياة اللوحة

يمكن ان نسأل أنفسنا لماذا نحب أشياء معينة، ولماذا يسيطر الشغف علينا نحوها ؟
ولماذا نرى أشياء جميلة ، بينما لا نرى هذا الجمال في أخرى؟
من المؤكد أن مثل تلك الإجابة تحتاج لتفسير لا يتوقف عند المزاج والموقف الاعتباطي، بل ينفتح على جملة من العمليات الذهنية والأبعاد النفسية والخبرات، غير أن المتغير الأساس يتمركز حول "الشيء نفسه" الذي يمتلك القوة الفعالة للتأثير على أحاسيس الفرد التي تجعله يفكر فيها باستمرار وتجعله يميل لها أو ينصرف عنها.
والرسم هو واحدة من الظواهر التي ألفها الإنسان منذ وجد على الأرض، وسبقت الكلام والحرف، وراكمت تجربة لم تنحصر في الأفراد، بل ارتبطت بالعقل البشري ووجدانه.
وقد انتظر الإنسان زمنا طويلا حتى تحول الفن/ الرسم من الوظيفة الطقوسية إلى الوظيفة الجمالية.
ومنبع الوظيفة الجمالية في حركيتها بخلاف الطقوسيبة الثابتة، فاختيار الفنان للرسم لا يتوقف عند الانعكاس البصري، وإنما يتصل بالإضافة المتحققةمن الاشتغال الذي ينتح التجربة، ويؤدي إلى ولادة فكرة جديدة .
وحينما نتحدث عن التجربة، فإننا نذهب للقول إن الفنان في توظيفه للونوالخط والقماش لا يقوم بإعادة إنتاج الطبيعة، ذلك لان للطبيعة قوانينها ومادتهاالتي تختلف تماما عن قوانين اللوحة، غير أن الفنان يستطيع من خلال تجربته اقتراخ خطاب بصري يضيف للخبرة الطبيعية بمتخيله، وهي المنطقة التي تضغط على الوتر الحساس عند المتلقي لتحقق الدهشة، وتتحقق الدهشة بتنوع الاحتمالات التي تفضي إلى التأويل الذي يتيحه الموضوع أو الشكل للمشاهد، وما يثير لديه من استعادة للخبرات والمشاعر.
إن ميزة الفن في تفرده، وعدم رتابته التي تعكسها الاشياء المتشابهة في القيم والصفات الانسانية.
هذه الحري المتحقق من النظر فيما وراء الأشياء ، والتي تعيد تشكيل قوانين الكون والطبيعة هي التي تحقق الدهشة.
أنت تعيد الزهرة في دورة الحياة أو الموت، تختزلها في لحظة، حيث تكون الزهرة نتاج الغصن، التي تتولد جوار ورقة وتكون نتاج الساق، تتخيل قطرات الماء وهي ترتطم بالأوراق أو تغوص في التراب وتمتصها الجذور، هي دور الحياة، ولها أمثلة في الفاكهة بألوان ثمر التفاح الأحمر، والأخضر، والأصفر، والزهور باختلاف أكالها وألوانها وروائحها.
هذه الأشياء موجودة في الطبية، ولا يوجد أي إشارة إلى أن لديها ادعاء بالعظمة أو الشرف بخلق الجمال، لأن العناصر مشغولة بتحقيق وجودها والقيام بدورها على لاستمرار الحياة.
والفنان، في اشتغاله على اللوحة يمثل دورة حياة، وفي اشتغاله هذا لا يسعى للشهرة أو التجارة، بل يسعى لتمثل الحياة، حيث تكون اللوحة نتاج عمليات تشبه ما حدث للوردة، عمليات داخلية لا نراها ولا نشعر بها الا بعد ان تنتج أزهارا أو ثمارا أو أوراقا.
هذه حال الفنان أثناء القيام ليس في حين إنجاز اللوحة، بل ما قبلها وما بعدها، فاللوحة هي الهدوء مظهر الحالة السابقة للعاصفة.
ثمة أعمال ولوحات تبدو كما لو تم القيام بها دون جهد، بما تعكس من هدوء كبير، وصفاء وتناسق وإيقاعات لوني هادئة، غير أن زمن اشتغالها كان عاصفا، يشبه ما يقع في ساحة معركة خاضها الفنان مع أدواته وأحاسيسه وخبراته.
إن أي شيء جميل، لا بد أن تتوفر فيه القوة والندرة، التي تصنع حياتها المتفردة، والفن هو محاولة لمفارقة الرتيب والعادي.
وهنا يكمن سؤال الجمال ؟
لو نظرنا لسوق الخضار سوف نندهش احيانا من جمال تلك التصاميم التي يصنعها بائع الفاكهة بأكوام البرتقال والتفاح، وتوزيع الألوان، حتى يتمكن المشتري من رؤيتها في أفضل حالاتها. فهو يتحمل الكثير من المتاعب لتصفيطها بهذا الشكل وتنسيقها، وهو ما يمنح المتلقي شعورا بالراحة.
ان كل ما نتخيله ونعتقده يعتمد على تقييمنا لتلك الأشياء بالإحساس الذي يثيره وجوده فينا. ويثير انفعالاتنا.
هكذا يمكن التمييز بين شخصين ينظران إلى الأشياء نفسها، ويعبر أحدهم عن هذه الاشياء بكلمة "جميل" بينما الاخر يصف الآخر هذه الأشياء بأنها "بغيضة".
في الواقع أن كلايهما على حق، فالوصف هنا ارتبط بالخبرة والتأويل وفقًا لتحيز أحاسيسهما، وعليه فكل واحد منهم صرح بما يتوافق مع مشاعره الآنية.
الجمال ليس شيئا ماديا، ولا يمكن أن يكون ماديا وكذلك لا يمكن نسخه، فالجمال هو إحساس اللذة في ذهن الرائي.
والحقيقة التي أثبتتها تجارب الفنانين وأدبيات النقد الجمالي، أنه لا يوجد شيء جميل، وإنما هي انعكاس لخبرات المتلقي، وأحيانا معايير المجتمع، فيكون ببساطة معيار الجمال.
اللوحة كما الزهرة، خلاصة حياة.
فنانة تشكيلية
اسيل عزيزية

رابط للاذاعة الاردنية 

https://www.facebook.com/share/p/1C3oTDn3sH/  



No comments:

Post a Comment